الصحافي العراقي بين تهديدات الجماعات المسلحة وملاحقة الأنظمة الأمنية

المونيتور – التقرير

بغداد – أصبح الصحافيّ العراقيّ عبد القادر القيسي، قتيل الصحافة العراقيّة الأوّل في عام 2017. فبعد اختطافه في بداية العام الحاليّ، عثرت القوّات الأمنيّة في 5 كانون الثاني/يناير على جثّته مرميّة في الطريق الرابط بين محافظتي كركوك وبغداد. وقبل العثور على جثّة القيسي بيومين، أطلق سراح الصحافيّة العراقيّة المختطفة أفراح شوقي بعد ثمانية أيّام من اختطافها على يدّ جماعة مسلّحة مجهولة.

قالت شوقي خلال مقابلة قصيرة مع “المونيتور”: “لا أعرف من هي الجهّة التي اختطفتني. يبدو أنّها جماعة مسلّحة غير نظاميّة. أعتقد أنّني خرجت من العاصمة عندما اختطفت، لأنّ مسافة الطريق من مكان اختطافي حتّى الزنزانة التي وصلت إليها، كانت طويلة واستغرقت ساعات”.

أضافت شوقي على هامش المؤتمر الصحافيّ الذي عقدته بعد يوم من إطلاق سراحها، وتواجد فيه مراسل “المونيتور”: “المختطفون حقّقوا معي، وسألوني عن المقال الذي تحدّث عن الإنجاب غير الشرعيّ في جنوب العراق. قلت لهم إنّني لست من كتبه، وإنّني تركت العمل في صحيفة الشرق الأوسط قبل أشهر”.

وكتبت شوقي في وقت سابق عن صور القتلى من الفصائل الشيعيّة المسلّحة المنتشرة في شوارع العاصمة بغداد، ممّا أثار غضب الكثير من المؤيّدين لتلك الفصائل. بعدها، وقبل اختطافها بأيّام، انتقدت بمقال رأي فوضى السلاح وانتشاره بين جماعات وميليشيات متعدّدة.

أثارت حادثة اختطاف شوقي ضجّة كبيرة في العراق، أنتجت على إثرها حركة مدنيّة من الناشطين والصحافيّين الذين تظاهروا دفاعاً عن حريّة زميلتهم، وفي شكل مستمرّ منذ يوم اختطافها حتّى إطلاق سراحها، لكنّهم ما زالوا يعتقدون أنّ العمل في الدفاع عن حريّة الصحافة يجب أن يستمرّ.

قال رئيس مرصد الحريّات الصحافيّة زياد العجيلي لـ”المونيتور”: “إنّ القوّة المدنيّة التي تألّفت من منظّمات مدافعة عن حريّة الصحافة وعن حقوق الإنسان وصحافيّين بارزين في العراق، كان لها التأثير الكبير في عمليّة إطلاق سراح أفراح شوقي”. أضاف: “هناك خوف وقلق لدى الصحافيّين من عمليّات اختطاف أو قتل، لكن مقابل ذلك، هناك إصرار كبير منهم على الاستمرار في العمل والتوحّد مقابل كلّ الخطوات التي تسعى إلى تقييد حريّتهم”.

دائماً ما تصنّف المنظّمات الدوليّة المعنيّة بالدفاع عن حريّة الصحافة، العراق من أخطر البيئات التي يعمل فيها الصحافيّون، وهذا ما تسبّب في مقتل أكثر من 400 صحافيّ منذ عام 2003 وحتّى الآن.

وقال مدير مكتب قناة الجزيرة في العراق، وليد ابراهيم لـ”المونيتور” خلال مقابلة معه: “إنّ الأحداث الأخيرة التي تعرّض إليها بعض الصحافيّين في العراق، أثبتت أنّ الصحافيّين ما زالوا يواجهون خطر الموت من قبل العديد من الأطراف، أوّلها الميليشيات المنفلتة، والتي أصبح لها دور وغطاء سياسيّ وحكوميّ”.

أضاف: “إنّ هذه الجماعات لا يروق لها وجود من ينتقدها أو من يرفض التعامل معها ولا تستطيع تقبّله، خصوصاً أولئك الذين يرون في وجودها أمراً يتناقض مع مبادئ المجتمع المدنيّ المتحضّر، ويتعارض مع أسس الديمقراطيّة الحقّة”.

مخاطر كبيرة يواجهها الصحافيّ العراقيّ، خصوصاً من يعمل في الميدان، ويكتب ما لا يرضي الجماعات المسلّحة التي تحاول بسط نفوذها في العراق. مقابل ذلك كلّه، لا توجد هناك حالة تذكر على محاسبة من انتهك حقوق الصحافيّين، أو معاقبتهم.

لدى الصحافيّين في العراق قانون اسمه قانون حقوق الصحافيّين، تدور خلافات كبيرة عليه، ويقول بعض الصحافيّين المعارضين للقانون، إنّه شرّع من أجل غايات سياسيّة، ولا يخدم الوسط الصحافيّ.

قال المتحدّث باسم وزارة الداخليّة العراقيّة سعد معن لـ”المونيتور”: “نحن مع الصحافيّين، وندعوهم إلى ممارسة مهنتهم في شكل طبيعيّ. نعدهم بتوفير الحماية لهم ومحاسبة كلّ من يقصّر في حقّهم”.

على الرغم من الوعود المتكرّرة للقادة الأمنيّين في العراق، إلّا أنّ العراق لم يشهد في يوم ما تقديم أيّ جهّة أو شخص أساء إلى الصحافيّين أو هدّدهم أو قتلهم إلى العدالة، فعلى العكس من ذلك هناك حالات إفلات من العقاب في شكل كبير.

على الرغم من الضغط الكبير وتوحّد فئة كبيرة من الوسط الصحافيّ في القضايا الأخيرة، وتشكيلهم فرق ضغط على السلطة والأحزاب السياسيّة، إلّا أنّه ما زالت هناك مخاوف من احتمال أن ترتكب في حقّهم انتهاكات جديدة، أو تمارس ضدّهم عمليّات ترهيب أو اختطاف.

قال عماد العبادي، وهو مقدّم برامج تلفزيونيّة معروف في العراق، تعرّض في نهاية عام 2009 إلى عمليّة اغتيال في بغداد لـ”المونيتور”: “هناك مخاطر ما زالت تحوم حول الصحافيّ العراقيّ. البيئة الصحافيّة في العراق غير آمنة. نخشى أن تكون الأيّام والفترات المقبلة ذات حراك غير إيجابيّ تجاه الصحافيّين من قبل الجماعات المسلّحة والعصابات التي تستهدف حريّة التعبير”. منذ عام 2003 وحتّى الآن، لم يمرّ عام، من دون أن يكون هناك قتلى من الصحافيّين العراقيّين، وهذا ما يؤكّد غياب الحماية القانونيّة والميدانيّة لهم من قبل السلطات الحكوميّة العراقيّة.

حادثة اختطاف الصحافيّة شوقي، اعتبرها بعض الصحافيّين رسالة تهديد للوسط الصحافيّ في شكل عام. وهم يعتقدون أنّ الجماعات المسلّحة أرسلت إليهم رسالة تشير إلى ضرورة ألّا يتعرّضوا لها في المستقبل، وهذا في حدّ ذاته خطر كبير على حريّة الرأي والتعبير في العراق.

يحاول الصحافيّون العراقيّون قدر الإمكان توفير الحماية لأنفسهم، عبر الضغط أكثر على الحكومة والجهّات التي ترتكب انتهاكات في حقّهم، وسلك الطرق القانونيّة في مقاضاة من يهدّدهم، لكنّ ذلك كلّه لا يمنع أحداً من ارتكاب الانتهاكات في حقّهم.

في المحصّلة، يبقى الصحافيّ العراقيّ يواجه خطر الموت باعتباره مواطناً عراقيّاً، وخطر الخطف والقتل في أيّ لحظة باعتباره صحافيّاً. إضافة إلى ذلك، فهو لا يجد تشريعات تحميه ولا مؤسّسات تدافع عنه أو تعوّض عليه إذا حدث له أيّ شيء، وهنا تكمن مأساته بسبب تغييب حماية البيئتين الميدانيّة والتشريعيّة، ليبقى سارد قصص في انتظار من يسرد قصّته.

المصدر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s