112

في دلالة مفهوم “ما بعد الإسلاموية” عند آصف بيات

حمزة ياسين – التقرير

يُعد آصف بيات من أهم المفكرين المختصين في تحولات الحركات الإسلامية المعاصرة، وهو من أوائل من صك مفهوم “ما بعد الإسلاموية” للدلالة على سلسلة من التحولات البارزة التي مرت بها الحركات الإسلامية.

وفي هذا الكتاب يستأنف “بيات” موضوع ما بعد الإسلاموية ولكن بتوسع أكبر، عن طريق محاولة تتبع تحولات الإسلاميين نحو ما بعد الإسلاموية في عدة بلدان وتجارب، ما يؤكد ويؤسع من دلالة المفهوم.

فقد شارك في هذا الكتاب مجموعة من الباحثين في الحركات الإسلامية، وتعرضوا لعدة تجارب وفي عدة بلدان مثل إيران وتركيا والمغرب وإندونيسيا، إضافة إلى مصر وسوريا والسودان والسعودية.

وفي هذه المراجعة سنحاول توضيح مفهوم ما بعد الإسلاموية ومتابعة تمثلات المفهوم في التجارب الإسلامية المختلفة.

*** *** ***

يستخدم “بيات” لفظة “الإسلاموية” للإشارة إلى الأفكار والحركات التي تسعى من أجل إقامة “نظام إسلامي” يتمثل في دولة دينية، ولإقامة حكم الشريعة، وفرض القوانين الأخلاقية في الإسلامية، كما تقيم الإسلاموية لمسألة الدولة مكانة مهمة وملمحًا أساسيًا لسياساتها، وهو ما يجعلها تختلف عن الجماعات الدينية غير السياسية مثل جماعة الدعوة والتبليغ.

فالهدف الرئيسي والاهتمام الأساسي للإسلاموية ينصب على “إقامة مجتمع عقائدي”، ويجب أن تكون الأهداف الأخرى المتعلقة بالعدالة الاجتماعية وتحسين حياة الفقراء تابعة لهذا الهدف الاستراتيجي.

وبحكم اعتبار الإسلاميين للدولة بأنها هي الأداة الأقوى والأكفأ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن رؤاهم الشرعية والقيمية تؤكد واجبات الناس أكثر من حقوقهم.

ولكن تختلف الحركات الإسلامية فيما يتعلق بالطرق التي تتخذها لتحقيق غاياتها الاستراتيجية، فهناك الإصلاحيون الذي يهدفون إلى إقامة دولة إسلامية ولكن بالتدريج وبطريقة سلمية داخل الأطر الدستورية، وهو اتجاه يرفض العنف، ويسعى للعمل من خلال الدولة، وينطبق ذلك على جماعة الإخوان المسلمين.

وفي المقابل هناك الحركات الجهادية التي تسعى للوصول للدولة وتحقيق مشروعها بالقوة والعنف، لأسلمة المجتمع من الأعلى، مثل الجماعة الإسلامية في مصر والجبهة الإسلامية في الجزائر، وهم مختلفون عن التوجهات الجهادية السائدة مثل القاعدة وتفرعاتها، فهذه حركات للقوميات وتتبنى نهج العنف المعولم وتتعامل مع الجهاد كغاية في ذاته.

ويتفق الإسلاميون على تنوعهم باستخدامهم لغة دينية، ويفضلون الأخلاق الاجتماعية المحافظة والنظام الاجتماعي الإقصائي، ويتبنون توجهات غير متساحة تجاه الأفكار وأنماط الحياة المغايرة.

في ماهية ما بعد الإسلاموية

في العام 1995 استعمل آصف بيات مفهوم “ما بعد الإسلاموية” للحديث عن حالة تبلور توججهات اجتماعية ورؤى سياسية وأفكار دينية جديرة بالملاحظة شهدتها إيران في مرحلة ما بعد الخميني، وهي التي جسدها “التيار الإصلاحي” في أوخر التسعينيات، ويقول إنه بالرغم من كونه استعمل في وصف الحالة في إيران إلا أن جوهر المفهوم يشير إلى تحولات الإسلاموية في أفكارها ومقارباتها وممارستها من الداخل والخارج.

ويعلق “بيات” على أن المفهوم قد استعمل فيما بعد من قبل الباحثين وكأنه يصف مرحلة تاريخية معينة، ولكنه في الحقيقة عبارة عن مقولة تحليلية للتحولات التي تمر بها الحركات الإسلامية.

فهو يشير بما بعد الإسلاموية إلى الحالة السياسية والاجتماعية التي أعقبت مرحلة التجريب واستنزفت فيها جاذبية وطاقة ومصادر شرعية الإسلاموية حتى بين من كانوا مؤيديها المتحمسين، وهو ما جعل تجربة الإسلاميين موضع تساؤل وانتقاد من الخارج ومن أعضائها أيضا، حيث ستنتهي محاولات التوفيق التي تتسم بالبراغماتية إلى تأكيد التخلي عن بعض المبادئ المؤسسة للحركات الإسلامية.

بمعنى أنه “أصبحت الإسلاموية، نتيجة لظروفها الداخلية والضغوطات المجتمعية، مضطرة إلى إعادة اختراع نفسها، لكنها تقوم بهذا على حساب تحولها الكيفي”.

ولا تمثل ما بعد الإسلاموية حالة فقط، بل هي مشروع أيضًا، بمعنى أنها محاولة واعية لتأطير مفاهيم ووضع استراتيجية لبناء منطق ونماذج متجاوزة للإسلاموية في المجالات الاجتماعية والسياسية والفكرية.

ومع ذلك لا يمكن اعتبارها علمانية أو معادية للإسلامية أو حتى أنها غير إسلامية، فهي بالأحرى تمثل سعيًا نحو “دمج التدين بالحقوق، والإيمان بالحرية، والإسلام بالتحرر. إنها محاولة لقلب المبادئ المؤسسة للإسلاموية رأسًا على عقب من خلال التأكيد على الحقوق بدلاً عن الواجبات، ووضع التعددية محل سلطوية الصوت الواحد، والتاريخية بدلًا عن النصوص الجامدة، والمستقبل بدل التاريخ”.

كما تم التعبير عما بعد الإسلاموية من خلال الاعتراف ببعض المبادئ والأسس العلمانية، مثل التحرر من التزمت والقطيعة مع احتكار الحقيقة الدينية.

تمثلات ما بعد الإسلاموية

تمثلت ما بعد الإسلاموية في إيران وبحسب ما درسها آصف بيات في حركات واتجاهات اجتماعية، تم التعبير عنها في خطابات دينية مجددة قدمها الشباب والطلبة والنساء والعلماء الدينيون الذين طالبوا بالديمقراطية وحقوق الفرد والتسامح والمساواة بين الجنسين والفصل بين الدين والدولة.

ولكن ليس إيران هي الوحيدة التي تجسدت فيها ما بعد الإسلاموية، فقد شهدت مجتمعات إسلاموية أخرى مسارات ودرجات وأشكالًا متنوعة من مسار ما بعد الإٍسلاموية.

ففي تركيا مثلاً كان الإسلاميون في فترة الثمانينيات يعتبرون الإسلام عقيدة من شأنها أن تنظم المجالات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية من خلال دولة إسلامية، أضافة إلى دعوتهم نحو التحرر من أسر المفاهيم الغربية مثل الديمقراطية والعلمانية والقومية وغيرها، ولكن مع نهاية التسعينيات حصل توجه فيه مجموعة من الإسلاميين نحو البحث عن نظام سياسي حديث يضمن مكانا للمواطنين المتدينين، بدلاً من إقامة دولة إسلامية، شرعوا إلى تعميق الديمقراطية والتعددية والعلمانية في مواجهة سلطوية الدولة الكمالية، وقد استفاد الإسلاميون من هذا التوجه بشكل كبير.

وكان للمعارضة العلمانية دور بارز في دفع الإسلاميين نحو تبني مواقف أكثر اعتدالا.

كما حصلت تحولات مشابهة في المغرب حيث توجهت الحركة الإٍسلامية هناك نحو تجاوز مشروع الدولة الإسلامية إلى تعامل إيجابي مع الواقع، وهو ما تجسد في تجربة عبد الإله بن كيران مع تأسيس حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية، حيث أعلن الحزب رفضه للعنف واعترافه بالدستور وبالملك كأمير للمؤمنين، واكتسب الحزب شعبية واسعة وحاز على نسبة مقاعد كبيرة في انتخابات 2002 وتصدرها في 2011 حيث أصبح بن كيران رئيسا للوزراء.

وفي مصر تجسدت ما بعد الإسلاموية في توجهات القيادي عبد المنعم أبو الفتوح، والذي مال إلى تجربة حزب العدالة والتنمية التركي، وهو ما جعله يقترب من حزب الوسط الذي انشق عن الجماعة في نهاية التسعينيات.

كما برزت في السعودية، وإن كان في سياق مختلف، بعض التوجهات مع ما بعد الإسلاموية، وذلك في حركة “الصحوة” التي تعرضت للقمع، والتي دمجت بين السلفية الوهابية وفكر الإخوان، ولكن التمثل الأهم هو في اختلاف الرأي العام السعودي الذي بات أكثر تسامحا وتقبلا لفكرة الديمقراطية وأقل اكتراثا بمركزية الشريعة.

*** *** ***

خاتمة عن “ما بعد الإسلاموية”

كما تشير التمثلات سابقة الذكر، فإن الحركات الإسلامية لم تمر في تحولها بمسار واحد بل بمسارات عدة متنوعة، ما يعني أن أشكال وعمق ودرجة انتشار ما بعد الإسلاموية قد تختلف في كل تجربة، ولكنها مع كل ذلك تشير إلى تغير في الرؤية، بحيث تدلل في كل تجربة على الانتقال أو الخروج النقدي والخطابي من التوجه الأيديولوجي الإسلامي الصلب إلى شكل مرن ومرت يقر بالتعددية والاستيعاب والمرونة في المبادئ والممارسات.

إذن تشكل ما بعد الإسلاموية قطيعة خطابية أو ذرائعية عن النموذج الإسلامي التقليدي، أو تحول من مشروع الأسلمة الشاملة إلى مشروع يعتبر الدين جزءًا فاعلاً في المجال العالم وضمن الفاعلين الآخرين.

ولا يعني هذا بحال من الأحوال انتهاء وجود الحركات الإسلامية التقليدية، بل يمكن أن يشهد الواقع تزامنا بين حركات إسلامية وحركات ما بعد إسلاموية، ولكن ما تشير إلى ما بعد الإسلامية إلى نمط جديد ناشئ ويبدو أنه يقدم حلاً أكثر نجاعة للواقع الذي يعيشه العالم العربي والإسلامي.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s