135

كيف تبنى عملية سلام ناجحة في الشرق الأوسط؟

فورين أفيرز – التقرير

يرى العديد من الشعوب أن عملية السلام في الشرق الأوسط تتجه في طريقها السليم، ولكن مع الأسف، الأمر لا يسير بالشكل المرغوب فبه. فنموذج التغيير الذي انطوت عليه اتفاقية أوسلوا، فشل، ولسوف تفشل مرة أخرى في تحقيق مبتغاها إذا ما حاول العالم تطبيقها مرة أخرى.

ولن يصل الشرق الأوسط إلى السلام المرجوّ إلا بتغيير جذري وباتجاه مختلف يسعى إلى التغيير، محاولة من الأسفل مرورًا بالأعلى، عوضًا عن من الأعلى إلى الأسفل.. فلربما ينجح هذه المرّة.

لماذا فشلت اتفاقية أوسلو

منذ لحظة توقيع اتفاقية أوسلو منذ 23 عامًا، حاول المجتمع العالمي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية مرات عدة لتسهيل المراحل النهائية من الاتفاقية، لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ولكن كل هذه المجهودات باءت بالفشل، وهو ما يعزو إلى عدم توافر إرادة كافية من كل الأطراف المحلية لتقديم بعض التنازلات الضئيلة. لو أن كان هناك إمكانية تعديل أو وقف لهذه السياسات لكان من المحتمل أن تعمل الأمور على ما يرام في الماضي، وفي المستقبل، لتتوقف المواقف الدرامية من الطرفين.

ومثل هذه القراءات التقليدية للتاريخ الأخير من العالم، ما هي إلا نظرة ساذجة حيث يرجع السبب الرئيسي لفشلها إلى رفض الجانب الفلسطيني بالاعتراف بالوجود اليهودي على أراضيهم. فأساس المشكلة يكمن في احتلال إسرائيل لها بعد حرب الـ6 أيام، ولذلك يجب أن يعلم العالم أن مفتاح حل المشكلة يكمن في انسحاب إسرائيل إلى الحدود المتعارف عليها على الأقل قبل يونيو 1967.

وفي الحقيقة، يعد رفض الاعتراف بالوجود الإسرائيلي واقعا في الاستراتيجية الفلسطينية حتى من قبل اعتراف العالم بالوجود الإسرائيلي، وهو ما انعكس في رفض العرب لاقتراح المملكة المتحدة في العام 1937، وخطة تقسيم الأمم المتحدة في العام 1947، إلى جانب الرفض الفلسطيني لعرض رئيس وزراء الإسرائيلي إيهود باراك في كامب ديفيد للعام 2000، وكذا محاولات الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في العام نفسه، واقتراح إيهود أولميرت في العامر2008. مع العلم أن السلطات الفلسطينية لم تعترف حتى بالوجود الإسرائيلي وفقًا للحدود المُرسّمة للعام 1967.

وعلى الرغم من اعتراف السلطات الفلسطينية بإسرائيل في اتفاقية أوسلو إلا أن الاعتراف بالوجود الإسرائيلي هو أمر مختلف تمامًا عن أحقيتها كموطن للشعب اليهودي. ولم يوافق عرفات على تغيير الميثاق على الرغم من وعوده بتغيير نظرة الشعب الفلسطيني للوجود الإسرائيلي، وهو ما سار على نهجه محمود عباس من بعده، رافضًا لقبول فكرة الوجد اليهودي في فلسطين.

ولم تطلب إسرائيل أيضًا أن تعترف مصر والأردن بوجود الكيان اليهودي عندما وقعا على اتفاقيات السلام الخاصة بهم مع إسرائيل في العام 1979 والعام 1994، إلا أن الصراع الفلسطيني، على الوطن، يختلف تمامًا عن صراع الأردن ومصر مع إسرائيل، رافضين لاستمرار الصراع مع إسرائيل بعد توقيع  اتفاقيات السلام.

وترفض فلسطين حل “تقسيم البلد إلى دولتين”؛ لأن فلسطين ترفض الاعتراف من الأساس بالوجود اليهودي على أراضيها، لأن الادعاءات التاريخية أو الدينية بالصلات اليهودية مع الفلسطينيين لا تتماشى مع وقائع التاريخ والمفهوم الحقيقي لمقومات الدولة. فاليهودية ليست بالضرورة جنسية ووطن في حد ذاتها، ولكنهم ينتمون إلى دول مثلهم مثل غيرهم.

ويجب أن نشير إلى أن ثاني سبب آل إلى فشل اتفاية أوسلو هو رفض اعتراف الفلسطينيين بالمستوطنات اليهودية، فأصبحت مستوطناتهم على الحدود تعد حجرة معرقلة لعملية السلام وتصاعد الصراع، رافضًا للحق اليهودي المزعوم. إلا أن وجود المستوطنات لم تمنع اليهود والفلسطينيين من التفاوض، حيث توصلوا فقط منذ العام 1993 إلى العديد من الاتفاقيات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية.

لماذا سيفشل الفصل نهائي بين الدولتين

ستفشل أي محاولة من قبل العالم في فصل الدولتين عن بعضهما البعض حتى يصل الطرفان إلى اتفاقية دبلوماسية لحل مرحلة الصراع. فالفصل بينهما هو أفضل الطرق للإبقاء على السلام والهدوء بينهما. ولكن معظم المعايير الحالية تشير إلى أن فكرة الفصل، رد من الخيال وسراب بأن شيئا لم يحدث لأنها ستكون بمثابة كارثة بالنسبة للشعب الفلسطيني.

يجب أن نعترف أن الوجود الفلسطيني أصبح مرتبطا بالاقتصاد الإسرائيلي، فالمركز الاقتصادي الفلسطيني لا يتمحور في رام الله، ولكنه يقع في تل أبيب، بينما يعمل ما يقرب من 60 ألف فلسطيني في الضفة الغربية داخل المستوطنات والمناطق الصناعية الإسرائيلية، وأكثر من 80% من صادرات فلسطين تذهب للسوق الإسرائيلي. ولذلك سيكون الفصل التام بين إسرائيل وفلسطين بمثابة إشعال أزمة اقتصادية وإنسانية عظمى في الضفة الغربية تهدد بالأمن الفلسطيني، وتمثل خطورة على إسرائيل والأردن. ولن ننسى أن غزة تعتمد على المياه والكهرباء التي تمدها بها إسرائيل، وستعد فكرة منع إسرائيل لمثل هذه الأساسيات من الحياة بقسوة غير إنسانية لا يمكن التفكير بها.

بالطبع لا تعد كل جوانب الفصل بين الدولتين سيئة بالنسبة لفلسطين وإسرائيل؛ فمثلا ستجد أن الانفصال السياسي يخدم مصالح الجانبين، وهي إحدى جوانب اتفاقية أوسلو الإيجابي، حيث أصبح الفلسطينيين يتمتعون بحرية واستقلالية سياسية نوعية؛ عن طريق التصويت لدستور خاص بهم، ورئيس ورئساء للبلديات، وهو ما يعود بالطبع بالإيجاب على السلطة اليهودية لتجنب التدخل الفلسطيني في نظام الإسرائيلي السياسي والمشاركة في التصويت.

وتحدثنا عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لأنه يُعد أهم الصراعات التي تؤثر على استقرار الشرق الأوسطر فلم يحدث بالشرق الأوسط الحديث أي دمار مشابه لمثل هذه الصلة الزائفة. فمرت عقود من الزمان وتحرر العرب من مسؤوليتهم على شعوبهم، وانغلق الفلسطينيون على مستقبلهم السياسي وبالتالي مستقبل المجتمعات الأخرى حتى وإن كانت لا صلة بها.

ويعود عدم الاستقرار المزمن في المنطقة إلى أخطاء قوية الإمبراطوريات الغربية في العقد الماضي، ففرضت المثال الغربي على مجتمعات يقودها الولاء الديني والعرقي والقبائلي.

فقد مرت العقود، وشعر حكام العرب بالسعادة بإخفاء عيوبهم وأخطائهم خلف غطاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. فلا يمكن أن يشير أحد أن الحرب الأهلية في سوريا، والصراع الطائفي في العراق، والصراع القبلي في ليبيا، وانهيار الدولة اليمنية، والثورة والثورة المضادة المصرية لها علاقة بفلسطين أو إسرائيل.

ما يمكن أن يتم

لا تكمن المشكلة هنا في بضعة كيلومترات تفرق بين عدوين ومجتمعين على الخريطة، فالمشكلة أعمق من ذلك بكثير ولن تحل بإجبار الطرفين على التصالح، ولا يكمن الحل أيضًا في فرض انفصال تام بينهما، فقد يخلق مثل هذا الحل مشكلات أخرى في المنطقة وستظل غزة والضفة الغربية منقسمتين على الرغم من أي شيء.

لذلك من المحتمل أن تقام عملية سلام قائمة على أسس قوية عوضًا عن بنائها على رمال متحركة، والبعد عن الأفكار الحالمة والوصول إلى تطور فعلي على أرض الواقع، عن طريق الإصلاح الاقتصاد الفلسطيني وتطوير بنيته التحتية، والسماح بتطوير المناطق الصناعية الفلسطينية, وإمدادهم بالغاز الطبيعي، وزيادة سعة محطة الطاقة في غزة، والاهتمام بالجانب الزراعي.

بمعنى آخر، يجب أن يشعر الشعب الفلسطيني أنه يعيش في بلدٍ آدمي، ويسعد به عوضًا عن إهماله، فلا يحق لإسرائيل فرض سياسة على نظام الحكم الفلسطيني فتضعف مكانتهم، فلابد وأن يقرر الشعب الفلسطيني مستقبله بنفسه.

وبذلك، وعلى مرور الوقت والسنين، سيتأسس بنية تحتية مهمة قابلة لتحقيق السلام بين الشعبين بالتدريج. ولتحقيق مثل هذه النتيجة سيحتاج صبرا وإصرارا وأعوام عديدة من المجهود العملي. ولكنها ستوفر المالية قيام سلام في الطريق، وأي محاولة تعتمدها أمريكا لإحياء محاولاتها القديمة ستبوء بالفشل.

المصدر

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s