Collateral Beautyولعبة الحب/الوقت/الموت

ياسمين عادل فؤاد – التقرير

في موسم نهاية العام حيث الاحتفالات والأعياد وأجواء الكريسماس تتراوح الأعمال الفنية بين أفلام يغلب عليها الطابع الكوميدي الخفيف كفيلمي Bad Santa2، وOffice Christmas Party لهذا العام مثلاً، وأفلام أخرى تكون فيها أجواء الاحتفالات خلفية للأحداث، ليست مُحركًا أساسيًا، لكنها تقع هناك على الهامش وغالبًا ما تتسم تلك الأفلام بطابع الشجن والحزن بعض الشيء، فيلم “Collateral Beauty” هو أحد تلك الأفلام.

ولأنني أحب هذه النوعية من الأفلام كان هو الفيلم الذي اخترته للمشاهدة في السينما وختام العام معه، وبالرغم من كَم البكاء الذي بكيته في أثناء المشاهدة إلا أنني خرجت منه راضية ومُشبعة إنسانيًا وفلسفيًا لدرجة اتخاذي قرارا بالكتابة عنه ونُصح الجميع بمشاهدته.

لكنني وفور بدايتي لقراءة التقييمات النقدية المختلفة الموجهة للفيلم، هالني ما رأيت!، فمُعظم التقييمات جاءت سلبية، أما الإيجابي منها فكان لا يُشيد إلا بالفكرة التي يطرحها العمل قبل أن يؤكد كَون صناع العمل لم ينجحوا في استغلالها وتقديم فيلم يليق بها، فهل هذا صحيح؟!.

104

Collateral Beauty

فيلم أمريكي، من إنتاج 2016 ويُعرض حاليًا بالسينما، وهو من إخراج ديفيدفرانكل، وتأليف آلان بوب، أما البطولة فجماعية اشترك فيها “ويل سميث، إدوارد نورتون، كيت وينسليت، مايكل بينا، ناعوميهاريس، كيرا نايتلي، هيلين ميرين، وجايكوب لاتيمور”.

105

قصة الفيلم

تدور الأحداث حول “هاوارد”، وهو رجل له وزنه في عالم الدعاية والإعلان، يملك شركة ناجحة هو وصديق له ويعمل معه فيها مجموعة من الأصدقاء والموظفين الذين يبذلون قصارى جهدهم لإنجاح العمل أكثر وأكثر. ولأن الحياة ليست طيبة طوال الوقت، بعد فترة تتوفى ابنة هاوارد ذات الـ6 سنوات بعد صراع مع مرض نادر.

وهو ما يزلزل الدنيا تحت أقدام الأب، فيتخَلَّف عن العمل لفترة طويلة جدًا تصل لسنتين، وحين يعود لشركته، يعود كشبح لا يهتم بشيء ولا يُعطي رأيه لأحد، كل ما يفعله رَص قطع الدومينو بميكانيزم مُحكم وصعب ثم القيام بهَدِّه مرة أخرى.

106

تتأزم الدنيا في الشركة التي تفقد الكثير من أسهمها وعملائها الذين لا يرغبون إلا بالتعامل مع هاوارد نفسه أو سحب تعاملاتهم وصفقاتهم من الشركة، في الوقت نفسه تظهر مؤسسة على استعداد لشراء أسهم الشركة بقيمة مرتفعة نسبيًا مع الإبقاء على العاملين فيها، وفي حين يوافق الجميع على ذلك تظل موافقة هاوارد وقيامه بتوقيع الأوراق عائقًا لا يُمكن تجاوزه.

بعد البحث والتنقيب ومُراقبة هاوارد يتم اكتشاف أنه يرسل خطابات غاضبة لبعض القيم التي لطالما كان يُردد إيمانه بها وأنها أصل كل الأشياء: (الحب، الموت،  والوقت). فالحُب هو وقودنا لفعل كل شيء وأي شيء، أما الموت نخافه جميعًا فنُسرع للوصول لمبتغانا قبل أن نواجهه، والوقت ذلك الجسر الذي يربط بينهما.

هنا يتفتق ذهن شريك هاوارد أن يقوم بتأجير 3 ممثلين يواجهون هاوارد باعتبارهم (الحب، الموت، والوقت) مُستغليين عدم اتزانه النفسي ويقينه بأن لا أحد يعلم بأمر هذه الخطابات ما يجعله يُصدق مثل تلك اللعبة، وبالرغم من أن الغرض من كل ذلك لم يكن نبيلاً أو على الأقل يُمكن أن نقول مشكوكًا في أمره، إلا أن تلك المواجهات تأخذ الأحداث في اتجاه آخر يُساهم في تجاوز البطل لمحنته.

107

التقييم النقدي

الفكرة

الفكرة التي يقوم عليها العمل دون أي شك هي أفضل ما فيه، فكرة فلسفية ممتعة، لم يتم تناولها من قبل، رُبما كان يمكن الاجتهاد عليها أكثر من هذا وتطعيمها بمواقف إنسانية أكثر وأحداث شيقة، إلا أن هذا لا يمنع كَونها طازجة ومُلهمة، وجديرة بالاهتمام.

فمشاعر الفَقد والحزن ليست من الأشياء السهل التعامل معها، أو لها كتالوج ثابت يمكن لنا جميعًا اتباعه من أجل النجاة إذا ما وجدنا أنفسنا لأي سبب مكان البطل، لهذا أتت معالجتها هنا جديدة ومُثيرة.

108

القصة والتمثيل

قصة الفيلم إذا نظرنا إليها بشكل عام سنجدها قوية فهي ليست قصة تافهة أو سطحية، كذلك لم يتم التعامل معها باستسهال، بل هناك من اشتغلوا عليها لتطويرها، ولتصبح متعددة الأبعاد، فتشمل الجميع داخلها.

وبالرغم من التركيز بشكل كبير على الدور المحوري الذي يلعبه ويل سميث، إلا أن هذا لم يمنع وجود قصص جانبية لباقي الأبطال، قصص بعضها كان يمكن أن يكون أكثر عمقًا وحساسية، عن الشكل الذي قدمت به.

فالخط الدرامي الذي قدمته كيت وينسليت مثلاً كامرأة على مشارف الأربعين تفكر في الإنجاب قبل فوات الوقت، جاء هشًا وغير مصقول كذلك لم تستطع كيت منحه من روحها للأسف فجاء آدائها باهتًا بعض الشيء.

يلي ذلك حكاية إدوارد نورتون ومشكلته مع ابنته، على قِصر زمن تلك الحكاية إلا أنها خرجت للنور واضحة، ولعل ما تسبب في ذلك كانت الطفلة التي لعبت دور الابنه، تلك الفتاة التي على صغر سنها تحمل نضجًا وموهبة ليست بهينة، هذا بجانب قدرة نورتون على التعبير الجيد عن انفعالات شخصيته.

أما الخط الدرامي الأكثر اهتمامًا به ضمن القصص القصيرة التي عرضها العمل فكان قصة مايكل بينا، التي جاءت غنية ببعض التفاصيل، يُثريها بالطبع كَون غالبية أحداثها دارت بين مايكل وهيلين ميرين التي تكاد تكون أفضل من لعبت دورها بهذا العمل.

أما عن باقي فريق التمثيل

ناعومي هاريس: جاء حضورها هادئا وناعمًا، ورغم ذلك استطاعت أن تُثبت حضورها وأن تعبر عما يدور داخلالشخصية التي تلعبها دون مبالغة أو نقصان.

كيرا نايتلي: ليس هذا هو أفضل أدوارها بالطبع، لكنه قطعًا أحد الأدوار التي لعبتها من قلبها فجاءت عيونها معبرة عن كل ما تقوله، حتى ولو كان دورها لم يتجاوز بضع سطور.

جايكوب لاتيمور: لست متأكدة إذا كان هو الاختيار الأمثل للدور أم لا، فلعب شخصية (الوقت) من وجهة نظري كان يحتاج شخصًا أكثر نضجًا وحكمةً، لكن هذا لا يمنع أن هذا الفيلم قد يكون نقلة درامية له وفقًا لنوعية الأدوار التي اعتاد أن يلعبها.

109

وأخيرًا مع بطل الفيلم الرئيسي “ويل سميث” والذي تزامن هذا العمل مع إصابة والده بالسرطان ما جعل ويل سميث –وفقًا لتصريحاته- قادرًا على تَقَبُّل الأقدار بشجاعة واتزان. أما عن دوره فبالرغم من كونه الدور الأكبر مساحةً بالفيلم إلا أن أغلب مشاهده كانت صامته، ليس عليه فيها أن يقوم إلا بالتعبير الجسدي واستخدام النظراتت المُعبرة عما تشعر به شخصيته.

وهو ما لم ينجح ويل في إصابة المشاهدين بالإبهار فيه، فجاءت نظراته فارغة وانفعلاته مكتومة، لكنه على ذلك نجح في رفع سقف آداءه في بعض المشاهد، خاصةً مشهد مواجهته الأخيرة مع كيرا نايتلي، أو مشهده قبل الأخير مع ناعومي هاريس.

110

الإخراج والتصوير السينمائي

إخراج الفيلم لـDavid Frankel، وهو مخرج قدم أعمالا كثيرة قريبة من قلوب الجماهير أشهرها: The Devil Wears Prada (2006), Marley & Me (2008) and Hope Springs (2012)، وهو ما يُثبت أنه يعرف كيف يختار أعمالاً ستبقى عالقة بالأذهان حتى بعد مرور سنوات على عرضها.

وبالرغم من أن هذا الفيلم يكاد يكون الأكثر عُمقًا بين الأعمال التي قدمها، إلا أن إخراجه له جاء عاديًا لا إبهار فيه، فلا من كادرات سينمائية مميزة، أو لعب بالإضاءة، حتى أجواء الكريسماس المزامنة للأحداثلم يتم استغلالها بالشكل الأمثل، وإن كنا لا يمكن أن نصف الإخراج بالعظيم، لكنه حتمًا ليس بالسيئ.

النهاية وعنصر المفاجأة

طوال الفيلم نشاهده باعتبارنا جميعًا نشترك في اللعبة التي يلعبها الأبطال على هاوارد مُنتظرين موقفه حين يكتشف الحقيقة، إلا أننا في النهاية لا نلبث أن يتم مُفاجأتنا نحن أيضًا بشكل غير متوقع، ومُبدع في ذاته، للدرجة التي تجعل المشاهد يُعيد حساباته وقراءته للعمل ككل عند الوصول للنهاية، وهو ما كان ذكيًا من صناع العمل.

الجمال الجانبي ورسالة الفيلم

لعل أسوأ ما بالفيلم من وجهة نظري هو الرسالة التي أراد توصيلها لنا كجمهور، فقدمها بشكل على قَدر ما جاء مباشرًا لكنه ظل غير مفهوم وغير مرئي.

بشكل فلسفي عام يُمكن بالطبع أن نستوعب فكرة “الجمال الجانبي” للأشياء، المواقف، والتجارب، وكيف أمام كل فقد هناك نِعَم أخرى كثيرة في حياتنا تستحق الاحتفاء والشُكر، إلا أن على مثالية تلك الفكرة لكنها أيضًا لم تُطَعَّم في الفيلم بما يؤكدها أو يوضحها في حياة البطل، صاحب المأساة، وهو ما جعل ذكرها قبل نهاية الفيلم يبدو شيئًا محشورًا من أجل تبرير عنوان الفيلم ليس إلا.

بعد كل هذا الإسهاب وسَرد التفاصيل سيظل عليكم مشاهدة فيلم Collateral Beauty بأنفسكم للحُكم عليه إذا ما كان يستحق ألا يوجَّه إليه سوى النقد السلبي والتقييمات المنخفضة أم لا، فوحدكم أنتم الفيصل والحَكَم، إذ تظل التقييمات النقدية في النهاية مَحض آراء شخصية غير مُلزمة إلا لأصحابها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s