عودة كيسينجر إلى المشهد السياسي.. واشنطن تسترجع أجواء عام 1975

بلومبيرغ – التقرير

دعونا نتأمل لحظة، فيما قد يكون آخر مساهمة سياسية لهينري كيسينجر، فلقد بلغ الـ93 من عمره. وعادة لا تمتلك هذه الفئه العمرية طاقة كافية بالمشاركة في “فيس بوك” لكن كيسنجر يختلف تمامًا عنهم، حيث يلعب لعبة مؤثرة ضد الدخلاء، منذ أن كان وزير خارجية ريتشارد نيكسون.

أخبرني العديد من المسؤولين، المنتمين إلى فريق دونالد ترامب الانتقالي، أنه ومنذ نهاية الانتخابات الرئاسية، أمضى العديد من الساعات ناصحًا لمستشار الأمن المحلي القادم، مايكل فلين، وفريقه. إضافة إلى تأسيسه لعلاقاته في موضعها السليم، ورشح مساعده السابق، ماكفارلاند، ليشغل منصب نائب فلين، وشجّع ترامب لترشيح ريكس تيليرسون، الرئيس التنفيذي لشركة إكسون موبيل، لمنصب وزير الخارجية. ووفقًا لأحد مستشاريه الانتقاليين، يُعد كيسنجر من الرجال القليلين، القادرين على الاتصال بترامب على الهاتف، وقتما شاء.

لا يساند كيسينجر ترامب من وراء الستار فقط، لكنه يمثل مصدر مصداقية مهم للغاية لترامب، أمام وسائل الإعلام؛ فعندما اعترض بعض الجمهوريين على اختيار تيليرسون، بسبب علاقاته المتقاربة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، دافع كيسينجر عن هذا الاختيار، بينما ساعد على تخفيف وطأة محادثة ترامب الهاتفية مع الرئيس التايواني، في ديسمبر الماضي، أمام “لجنة المئة” المدافعة عن العلاقات الأمريكية الصينية. نشعر كأننا عدنا إلى أجواء عام 1975 مرة أخرى.

لا بد أن نعترف أن جميع الرؤساء الأخرين تقريبًا، لجئوا الى نصائح كيسينجر، بحثًا عن الإرشاد. وعلقت المتحدثة عن نائب وزارة الخارجية على مقال رأي نشره كيسينجر، ناقدًا لإتفاقية النووية الإيرانية، رافضة لآرائه الني اعتبرنها “كلمات كبيرة وأفكارًا عميقة”.

ومع كل ذلك، من الغريب أن يستمع ترامب إلى كيسينجر، لعدة أسباب: أولها اعتراض ترامب على العديد من السياسات، التي طبقها كيسينجر محذرًا بإلغائها. لم يقتصر ذلك على سياسة الصين الواحدة فقط، التي تمنع أي اعتراف رسمي من قبل أمريكا بتايوان، على الرغم من أنها تسمح لأمريكا بتسليح جزيرتها. بينما ستجدون أن كيسينجر من خطط لاتفاقيات الحد من السلاح، التي يلمح ترامب لها، بكونها في خطر.

من الواضح أن كيسينجر في استعداد تام، لنصح شخص شكك في أسس بناء النظام الدولي، الذي ساعد كيسينجر على إرسائه بنفسه. ثم إذا ما تأملنا في آخر خطاب لترامب، قبل فوزه بالانتخابات الرئاسية، ستجد أنه قال ” بالنسبة لمن يسيطر على مقاليد السلطة في واشنطن، ليتحكمون في مصالحهم الدولية الخاصة، فإنهم يتشاركون مع أشخاص لا تعبأ بالاهتمام بما هو في صالحكم.” لا يعد مثل هذا الوصف، أمرًا غير منطقي بالنسبة لشركة كيسينجر الاستشارية، التي قدمت مشورات استراتيجية للعديد من الحكومات الأجنبية والشركات الكبرى منذ عام 1982.

عبّر فيردوسون، المؤرخ وكاتب حياة كيسينجر الشخصية، عنه قائلا: ” من المؤكد أن ترامب اتجه إلى كيسينجر، لأنه يراه أفضل سياسي محنك بارع ودبلوماسي في أمريكا هذه الأيام، فيدرك أنه من الممكن أن يستخدم نصائح كيسينجر لتنسيق أولوياته الاستراتيجية.”

مما لا شك فيه، أن مثل هذا الانطباع يُسعد المؤسسات المهتمة بالسياسات الخارجية في واشنطن ونيويورك. لكن بالنسبة للمثاليين على الجانب اليمين أو اليسار، يعتبر مؤازرة وتأثير كيسينجر على ترامب، إشارة بالخطر. فعلى الرغم من نجاح كيسينجر، فيما يخص السياسات الأجنبية، فإنه كان المدبر للحظات مشكوك فيها، فيما يخص تاريخ الحرب الباردة. وساعد على تنسيق الانقلاب العسكري، الذي أطاح بالرئيس التشيلي  في العام 1973. بينما جهّز كيسينجر استراتيجية تفجير مواقع الجيش الفيتنامي في كامبوديا، وهو أمر أبقاه سرًا بعيدًا عن أعين الكونجرس. تسبّب هذا التاريخ المريب في توبيخ بيرني ساندرز لهيري كلينتون، عندما تساءل عن حالة أحد العقلية، باعتبار كيسنجر صديقًا شخصيًا له.

لكن لا بد أن نذكر، أن كيسينجر ليس مكروهًا للغاية من اليسار، فقد تصادم مع تيار المحافظين الجديد، عندما شغر منصب مستشار الأمن القومي في عهد ريتشارد نيكسون.

واعترض أيضًا على ضغط هينري سكوب على إدارة نيكسون، لتبني حملة من العقوبات على الاتحاد السوفيتي، بسبب أسلوبها في التعامل مع اليهود المنشقين. فقد عارض كيسينجر هذه السياسات بشدة، لأنها تتعارض مع سياسته المتجهة إلى تقليل التوترات مع موسكو، المعروفة بالانفراجة.

ومع انقسام واشنطن بشأن سياسات أمريكا مع بوتين، لم يُعلق كيسينجر على أي من هذه الصراعات، إنما كان يؤيد منذ عدة سنين ماضية أنه من الكاء أن تعمل أمريكا بالقرب مع بوتين، ما يتماشى مع وجهات نظر ترامب، بشأن إمكانية عقد إتفاقية مع بوتين. فمن أحد أسباب تقرب كيسينجر من ترامب، شعور الناخبين بالغضب من سياسات جورج بوش وأوباما الخارجية، ما لم يساهم فيهما كيسينجر، على الرغم من أنه انتقد أساليب جورج بوش بشدة، دون حرج. ومن المحتمل أن يكون ترامب منجذبًا إلى كيسينجر، بسبب سمعته الواقعية، وبالطبع معجب بعلاقات كيسينجر، لك أن تتخيل اجتماعاته الطبيعية المعتادة مع بوتين و شي يونج.

ها قد تحول الرئيس من شن حملة ضخمة ضد النخب العالمية، إلى تكوين علاقات قوية مع معظمهم.

المصدر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s