ما يخبرنا به مستشارو ترامب عن سياسته الخارجية المقبلة

إضاءات – التقرير

لم ينتظر ترامب إشارة استهلال فترته الرئاسية في العشرين من يناير/كانون الثاني المقبل ليبدأ في إثارة الجدل وهدم الأسس المتوارثة للسياسة الخارجية الأمريكية، بدءًا من تجاهل حلفاء أمريكا التقليديين وانتهاء بمكالمته الهاتفية، الأولى لرئيس أمريكي منذ عقود، مع رئيسة تايوان. والتي أثارت الغضب الصيني وهددت بإشعال حرب باردة بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم.

يتعمد ترامب دومًا أن يبدو بمظهر الرئيس الذي لا يمكن التنبؤ بقراراته المتناقضة والمفاجئة، وهو أسلوب يعزوه البعض للرئيس الأمريكي نيكسون ووزير خارجيته كيسنجر، الأمر الذي يتيح للرئيس مجالا كبيرا للمناورة متحللا من القيود التقليدية.

ومع ذلك ما زال بإمكاننا تصور أطر عامة لرؤية السياسة الخارجية الأمريكية، والطريقة التي ستعمل بها، إبان حقبة ترامب، من خلال جمع رؤى وخلفيات الأشخاص الذين اختارهم ترامب ليكونوا مستشاريه وأذرعه في تنفيذ سياسته الخارجية، بالضبط مثلما كان بإمكان وجود شخصيات كديك تشيني ورامسفيلد ورايس في إدارة بوش الابن أن يعطينا ملمحًا عن سلوك الحكومة الأمريكية المستقبلي آنذاك؛ عن اهتمامها بالنفط، وميلها للتدخل المسلح، والمركزية التي تحتلها بلد كالعراق في رؤية الإدارة الأمريكية.

السياسة على طريقة رجال الأعمال

Trump International Hotel Washington, D.C Groundbreaking Ceremonyيرى ترامب وجانب من إدارته، كستيف بانون رئيس حملته الانتخابية وكبير مستشاريه، أن تراجع مكانة الولايات المتحدة، القائمة بالأساس على القوة الاقتصادية الهائلة، في مقابل صعود خصوم جدد كالصين، عائد في جذوره لالتزامات أمريكا تجاه حلفائها، وقيامها بدور «شرطي العالم»، الأمر الذي يكبدها تكاليف اقتصادية باهظة كانت في غنى عنها؛ بينما استثمر هؤلاء الحلفاء عائدهم القومي في خلق فرص عمل جديدة، بدلا من توجيهه للإنفاق العسكري، اطمئنانًا واتكالا منهم على الحماية الأمريكية.

لم يعد هذا متاحًا بعد الآن..

لا تمثل مكالمة ترامب مع رئيسة تايوان التزامًا ليبراليًا تجاه حلفاء أمريكا القدامى، أو سعيًا من الإدارة الجديدة إلى الحد من نفوذ الصين وتدخلها في شؤون جاراتها، إذ لا تعدو في الحقيقة كونها نوعًا من «لي الذراع» السياسي للحصول على صفقة اقتصادية جيدة لا أكثر.

ففي مقابلة مع شبكة «فوكس» التلفزيونية عقّب ترامب على مكالمته وعلى ردود الفعل الصينية الغاضبة، التي هددت بدعم أعداء الولايات المتحدة ردًا على الإخلال الأمريكي بسياسة «الصين الواحدة» -وحدة الصين وتايوان – التي التزمت بها منذ سنوات نيكسون، قائلًا أنه لا يدري «لماذا علينا أن نستمر في الالتزام بسياسة الصين الواحدة إلا إذا عقدنا، بالمقابل، اتفاقًا مع الصين حول الأشياء الأخرى بما فيها التجارة».

بهذه البساطة يبدي ترامب استعداده لبيع حلفاء الولايات المتحدة مقابل مصالح تجارية، في صفقة على طريقة رجال الأعمال، حتى وإن تطلب ذلك المساومة على ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية.

من المنطقي والمكمل لهذا السياق إذن ألا يقع اختيار ترامب لمنصب وزير الخارجية على «ميت رومني»، السياسي الجمهوري التقليدي، أو على «ديفيد باتريوس»، رئيس المخابرات السابق؛ بل على رجل أعمال آخر، له خبرة طويلة بعقد الصفقات، هو «ريكس تيلرسون» المدير التنفيذي لأكبر شركة نفط في العالم «إكسون موبيل»، والذي تجمعه علاقات طيبة للغاية بكبار سياسيي الكرملين، وعلى رأسهم بوتين، الذي كرم تيلرسون ومنحه وسام الصداقة في 2013، بالإضافة لترؤسه لإحدى شركات «الأوفشور» – في جزر الملاذات الضريبية – العاملة في مجال النفط والتي تدير أموال عدد من الشخصيات النافذة والثرية في كل من روسيا والولايات المتحدة.

هل يشعل ترامب حربًا صليبية؟
«مايكل فلين»، مستشار ترامب الجديد للأمن القومي، هو الآخر من المغرمين بالكرملين، فهو ضيف مألوف لقناة روسيا اليوم، كما سبق له أن ألقى خطابات مدفوعة الأجر لصالح القناة نفسها، وظهر على شاشتها بصحبة الرئيس الروسي بوتين. إلا أن ما يميز فلين بالذات هو عداوته الشديدة للإسلام.

يمثل فلين رأس حربة تيار واسع ضمن إدارة ترامب يؤمن بشكل عميق بـ «صدام الحضارات» ويتبنى سياسة «تدخلية» لا «انعزالية» في وجه الإسلام بحد ذاته، والذي يرى فلين أنه ليس دينًا بل «أيديولوجيا سياسية، وسرطانًا».

وفي مجموعة من التغريدات، التي لاقت ترحيبًا من قبل المتطرفين الأمريكيين، وصف فلين الخوف من المسلمين (الإسلاموفوبيا) بأنه «أمر منطقي». كما دعا «قادة العالم العربي والفارسي للاعتراف بأن (أيديولوجيتهم الإسلامية) «مقززة» ويجب عليهم «التشافي» منها».

لاحقا عبّر فلين، والذي شغل في الماضي منصب مدير الاستخبارات العسكرية، عن رأيه في طريقة «التشافي» اللازمة هذه من خلال ثنائه على عبد الفتاح السيسي واصفًا إياه بأنه «شخص جدير بالإعجاب والاحترام على مستوى العالم، لشجاعته في الدعوة لإصلاح الدين الإسلامي» وأنه «يقود ثورة في الإسلام».

كذلك هاجم فلين إدارة أوباما متهمًا إياها بالسماح لجبهة النصر وتنظيم داعش بالتمدد عن طريق تجاهل التقارير التي أصدرها جهازه، بالإضافة إلى تقاعسها عن التدخل العسكري الكثيف ورفضها التنسيق مع بوتين في سوريا. يتفق كل من «مايك بينس»، نائب الرئيس الأمريكي المقبل، و«وليد فارس»، مستشار ترامب لشؤون الشرق الأوسط، مع رؤية فلين هذه.

فبينس، المنحدر من عائلة كاثوليكية، والذي لعب دورًا هامًا في تشكيل إدارة ترامب الجديدة، يمثل لدى الكثيرين ذروة صعود التيار اليميني المتعصب في الولايات المتحدة، كما يتمتع بعلاقة طيبة مع مؤسس «بلاكووتر» ووزيرة بوش «كونداليزا رايس» بينما يرى في «ديك تشيني» قدوة له.

دعم بينس الحرب على العراق، وعارض أي محاولة لإغلاق معتقل جوانتانامو سيء السمعة، كما يعد أحد أكثر الساسة الأمريكيين افتتانًا بإسرائيل؛ إذ أعلن بنس تأييده لحق إسرائيل في قصف المنشآت الإيرانية، ودعمه لحصارها القاسي على قطاع غزة، ومنعه مقاطعة منتجات المستوطنات الإسرائيلية، بل ويذهب بنس في تطرفه لأبعد من ذلك، برفضه إقامة دولة للفلسطينيين بالأصل.

وليد فارس، الذي تحركه أضغان قديمة تعود إلى الحرب الأهلية اللبنانية والتي شارك فيها كمنظر ماروني لقوات سمير جعجع، التي نفذت مجزرة صبرا وشاتيلا ضد اللاجئين الفلسطينيين، هو الآخر من أهم داعمي إسرائيل ومروجي الإسلاموفوبيا في فريق ترامب.

على مدار تاريخه، سواء في لبنان أو بعد هجرته للولايات المتحدة، لم يتوقف فارس عن مهاجمة الإسلام (والعروبة)؛ بدءًا من مناداته في كتبه وأبحاثه بإقصاء العرب المسلمين من لبنان المسيحي، ثم عبر شاشات التلفاز الأمريكية، التي تستضيفه بشكل متكرر كمتخصص في شؤون الشرق الأوسط ومحاربة الإرهاب، والذي هاجم من خلالها جماعة الإخوان المسلمين واصفًا إياها بالتطرف، بجانب انتقاده المتكرر للاتفاق النووي مع إيران الذي سماه «أسوأ صفقة على الإطلاق».

مَدافع ترامب وتجارته
مع وجود متحمسين لشن حرب في الشرق الأوسط، أو «ضربات محدودة» ضد المتطرفين من سكانه (أو سكانه المتطرفين بالتعميم كما يرى فلين)، يستدعي الأمر وجود جنرال على رأس وزارة الدفاع يتمتع بصلة وطيدة وتاريخ طويل في الشرق الأوسط، إلى جانب تميزه وكفاءته العسكرية، جنرال عليه ألا يكون متحمسًا زيادة عما يلزم، أن يمثل نوعًا من المكابح لكل المتلهفين حول ترامب لشن حرب صليبية جديدة، وأن يشرف على تنفيذ القرار السياسي باحترافية من خلال الخبرة التي اكتسبها طوال سنوات خدمته. «جيمس ماتيس» الملقب بـ «الكلب المسعور» هو بالضبط ما يحتاجه ترامب.

يحظى ماتيس باحترام وتقدير الأمريكيين، جمهوريين كانوا أو ديموقراطيين، نظرًا لتاريخه العسكري المتميز منذ كان ضابطًا في قوات المارينز، وحتى توليه القيادة المركزية للجيش الأمريكي (التي تغطي منطقة الشرق الأوسط ووسط آسيا) قبل أن يتقاعد في 2013، لينضم لاحقًا إلى معهد هوفر، أحد مراكز الأفكار والأبحاث (think tanks) المحسوبة على الحزب الجمهوري.

ماتيس، المثقف الذي اعتاد أن يصطحب معه «تأملات ماركس أوريليوس»، اكتسب معظم خبرته القتالية من خلال سنوات خدمته في الشرق الأوسط إذ شارك في كل من حرب الخليج، وغزو أفغانستان، والعراق،ولعب دورًا حيويًا في معارك الفلوجة.

وبالرغم من اختيار ترامب المبكر لماتيس وزيرا للدفاع، إلا أن الأخير يتمتع بنظرة تقليدية إزاء حلفاء وخصوم الولايات المتحدة، تختلف كثيرًا عن نظرة إدارة ترامب، وإدارة أوباما.

حيث انتقد ماتيس أكثر من مرة سياسة أوباما «الانسحابية»، ودعا لتوفير المزيد من الدعم لحلفاء أمريكا التقليديين في الناتو ودول الخليج. كما نادى بضرورة التصدي للتمدد الروسي في شرق أوروبا، الأمر الذي يهدد بتحطيم الناتو، واعتبر النظام الإيراني «الخطر الأكبر على السلام والاستقرار في الشرق الأوسط» وأن تنظيم داعش «لا يمثل إلا عذرًا للنظام الإيراني ليواصل أعماله المؤذية»، الأمر الذي لم يرق بالطبع لإدارة أوباما.

كان رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي أول مسؤول أجنبي رفيع المستوى يعقد اجتماعًا مع ترامب عقب فوزه بالانتخابات، كان دافع آبي لعقد هذا الاجتماع المبكر تصريحات ترامب المتواترة التي آذنت بتخلي الولايات المتحدة عن حلفائها، الأمر الذي يهدد باختلال توازن القوى القائم في شرق آسيا، تاركًا دوله، ومن ضمنها اليابان، تحت رحمة العملاق الصيني الشره لمزيد من التوسع والنفوذ.

التسريبات التي رشحت من الاجتماع أبدت أنه كان مخيبًا لآمال «آبي» إلى حد تأكيد ترامب على دعوته لليابان لتحمل أعباء حماية نفسها أمام التنين الصيني، حتى وإن استلزم ذلك امتلاك اليابان لسلاحها النووي الخاص.

الاستثناء الوحيد لسياسة الإدارة القادمة «الانسحابية»، والتي تمثل في أحد جوانبها، للمفارقة، استمرارا لنهج أوباما، هو مواجهة داعش و«التطرف الإسلامي» عامة.
إذن فرؤية ترامب الإستراتيجية للسياسة الأمريكية – إن صح لنا هذا الوصف – تتمحور حول انسحاب أمريكا من دور شرطي العالم ودعم العولمة، في مقابل التركيز على تعزيز مصالح الولايات المتحدة التجارية والاقتصادية وإن كان هذا على حساب أمن واستقرار حلفائها. يأتي النفط على رأس هذه المصالح إذ أبدى ترامب اهتمامًا خاصًا به في أكثر من لقاء سابق، إلى حد اختياره وزير خارجية تتركز خبراته في هذا المجال.

لا جديد هنا في استمرار حرب أمريكا على الإرهاب الدائرة منذ 15 عامًا وعلى مدار ولايتي بوش الابن وأوباما، إلا أن الجديد في عصر ترامب هو التساؤل حول ماهية «التطرف الإسلامي» الذي يصفه ترامب بالإرهاب ويريد اجتثاثه. في ظل تصريحات من مستشاريه يبدو منها أن مصطلح التطرف الإسلامي يضم – في الواقع وبشكل عملي – جميع المسلمين، سواءً كانوا عربًا أو فرسًا، سنة أو شيعة.

الأمر الذي يوحي بأن مليارًا ونصف المليار، يشكلون ربع سكان العالم، هم متطرفون محتملون في أعين الحكومة الأمريكية الجديدة؛ ويجب عليهم إزاء ذلك إعادة صياغة دينهم للتخلص مما لا يُعجب إدارة الرئيس ترامب، التي تشيد بـ«التجديد الديني» الذي يقوده عبد الفتاح السيسي، وتراه مثالًا جديرًا بالاقتداء لما تريده من الحكام والشعوب الإسلامية.

بالطبع تبدو روسيا ضمن هذا المشهد كحليف مثالي، مستعد لتوسيع نفوذه عبر ممارسة دور فعال في «الحرب على الإرهاب»، ومجنبًا الولايات المتحدة، في ذات الوقت، تكاليف طائرات ومعدات حربية وجهودًا عسكرية ودبلوماسية لا داعي لها، كما يرى ترامب. وفي ظل هذا التحالف فلا معنى إذًا لتمركز القوات والمعدات العسكرية الأمريكية على الحدود الفاصلة بين دول الناتو وروسيا؛ بل ولا حتى في قواعد شرق آسيا المحيطة بالتنين الصيني، شريطة أن يكون هذا عبر «صفقة» مع الصين «حول الأشياء الأخرى، بما فيها التجارة».

المصدر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s