كارثة حلب تترك سؤالا ملحا: ما هي الإنسانية في 2016؟

ميدل إيست آي – التقرير

كانت الأيام الأخيرة في حلب لا مثيل لها، ولن تعود، لكنها ستظل دائما في الذاكرة في جميع أنحاء العالم.

جهود الإخلاء المتفرقة والعصيبة، ثم عدم الالتزام بوقف إطلاق النار، والقنص والقتل في أثناء عملية الإخلاء، ووقف الإخلاء وانتشار المعلومات الخاطئة، كل ذلك غلب على اهتمام الجمهور بشأن حلب.

وبعض السوريين الهاربين لتركيا، ومنهم هادي، الذي يبلغ من العمر (35 عاما)، كان يبكي من القلق وعدم التأكد من مصير أخته ووالديه، الذين لا يزالون عالقين داخل منطقة شرق حلب.

ويظل هادي طوال الليل يتذكر، كيف أصبح حالمًا بعد أن كان مربيًا، وأصبح قاطع طريق على دراجة نارية، يحمل الأسلحة تحت حزامه، حيث كان يتوق إلى اليوم، الذي يرى فيه أطفاله يذهبون إلى المدرسة، ويصبحون أفضل منه.

لكن بعد ذلك، سقطت العديد من القنابل، وأصبحت حقيقته الواقعة، تشبه مدينة حلب اليوم.

ويقول هادي مرارا وتكرارا، “الإنسانية تهزمنا”. وذات مرة، وقف مليا يفكر ويتساءل بهدوء، “ما هي الإنسانية؟”

بين 400 ألف و 500 ألف من السوريين، الذين جميعهم جزء من الجنس البشري، قتلوا منذ بدء الانتفاضة في العام 2011. ومن المستحيل التحقق من الأرقام في منطقة معزولة عن العالم.

كما ترك 12 مليونًا من السوريين منازلهم، هربًا من العنف والنظام الوحشي، والحروب المتعددة من قبل أطراف متعددة، التي اندلعت واحدة تلو الأخرى، وفي وقت واحد، استمرت وتسببت في تعقيد النزاع من جميع الزوايا الممكنة.

ولا مفر من الفوضى اليوم في سوريا.

ليست حربًا جديدة

يذكر أن سقوط المدينة، يمثل أكبر انتصار لنظام الأسد، منذ ما يقرب من ست سنوات، من الحرب الأهلية الكارثية. والكثير من ذلك تم الكتابة والحديث عنه.

وحاول الصحفيون والناشطون العاملون على تغطية ما يحدث في سوريا، تكثيف جهودهم وتوسيعها، لكي يحصلوا على معلومات موثوقة لحظة بلحظة.

وأولئك الذين يتفانون، لتوثيق هذا العنف المتطور، يقولون إن سقوط الثورة السورية لا مفر منه اليوم. لكن الأكثر من عنف الأسد، الذي حاربه السوريون حتى انكرست آدميتهم، تقاعس المجتمع الدولي، الذي يضم دولًا أساءت إلى حرمة الشعب السوري. وتم استخدامهم كوكلاء، إضافة إلى الأمم المتحدة، التي فشلت في اتخاذ أي إجراء، بخلاف الإدانات الكلامية.

وبالعودة خطوة للوراء والتفكير، سنجد تساؤلًا بشأن ما الذي يجب أن يفعله البشر، عندما تفشل المؤسسات، التي تهدف إلى تحقيق العدالة والسلام، في توفيرهما؟

إن سوريا ليست حربا جديدة، أو تجربة جديدة لم نتمكن من الاستعداد للتعامل معها. إننا لا نمتلك مثل هذه الأعذار، التي كانت لدينا بشأن فيتنام والبوسنة، أو المحرقة.

لقد قتل ستة ملايين شخص في المحرقة النازية. واستغرق الأمر عقودا لمعالجة البشرية لهذه المحنة، بينما تفاصيل ما حدث من أهوال ظهرت تدريجيا على مدار سنوات عديدة.

أما السوريون قتلوا وحوصروا في عصر الانترنت، حيث تنتشر المعلومات عن العنف بشكل يومي. ويموت الأطفال في أحضان أشقائهم، والأمهات تمسك بطفلها الجريح بذراع، وتقوم بالحداد على وفاة آخر، ويقوم بمواساتها طفل آخر، يمسك بجثة رضيع، والدم والدخان يملئ وجوههم.

أي نوع من الناس، يمكنه تجاهل أو تبرير مثل هذه الفظائع؟ أو أي نوع من المجتمع الدولي، يستطيع قول، “لم نكن نعرف ماذا نفعل”، في الوقت الذي عايش فيه العالم هذا مرارا ومرارا وتكرارا؟

والسؤال هو، إذا كان علينا أن نعتمد على أنظمة معينة لحماية عالمنا، وتلك الأنظمة تعمل بكفاءة أقل، وفي كثير من الأحيان لا تفعل شيئًا، فهل ينبغي الاعتماد هذه الأنظمة؟ هل هذا التساؤل يستحق التجاهل؟

إن الجميع يعترف وينعى أهوال الماضي، واشترطوا توثيق أن المؤسسات المتواجدة ستبذل كل ما في وسعها، كي لا يتكرر ما حدث مرة أخرى.

اللامبالاة العالمية

هناك اعتقاد بأن المجتمع الدولي يفعل كل ما في وسعه. ويعتقد الجميع أن المجتمع الدولي ذكي بما يكفي، ليكون متعاطفا مع قيود الأمم المتحدة.

وعلى الأمم المتحدة تهيئة روسيا للجلوس على الطاولة، لكن أليس هذا من دواعي السخرية؟ لماذا قد تدعم روسيا مطالب الأمم المتحدة؟ إن روسيا تطلق النار على المدنيين في حافلات الإجلاء، حيث يتم إجبار السوريين على الفرار من منازلهم، التي دمرها الأسد وأسلحة بوتين.

وما يلفت الانتباه، مدى اللامبالاة في شكل أعذار، والفشل دبلوماسي و الرهانات بالوكالة، التي ربطت نفسها بلا رحمة في عملية التنمية الاجتماعيةـ لذلك لا ينظر السوريون إلى أنفسهم، كجزء من الجنس البشري، لكن كمجرد أعضاء بالدين، أو عناصر بالأمة أو العقيدة.

السبب الأساسي لهذه اللامبالاة العالمية، يتمثل في أن “مصلحتنا تأتي قبل مصلحة أي شخص آخر”. وهذا المفهوم يتجاهل المفهوم الحقيقي للخير.

والمنطق يقول إن المرء لا يرغب في أن يكون غارقا في الفوضى المثيرة للجدل في سوريا. إلا أن العنف في سوريا كان بسيطا للغاية، ومرتبط بنا جميعا.

إن ما يرغب فيه الشعب السوري، الاحتياجات الإنسانية الأساسية، والعقل الحر. وهما أمران من المستحيل الاختلاف عليهما.

SYRIA-CONFLICT

الألم السوري ألمنا

في الواقع إن ما حارب من أجله السوريون، منذ بداية الثورة وخلال الفوضى التي وصلوا إليها، يعكس مدى عزمهم ومحبتهم، التي ترمز إلى إنسانيتهم. إنها ليست آلامهم وحدهم، لكنها آلام البشرية جمعاء. وجميعنا جزء من هذه البشرية.

لقد أصبح الوضع الآن أكثر إلحاحًا، للنظر بعمق في سبب تقاعسنا عن العمل، حيث إننا نقف على حافة الجهل، الذي يسيطر على إنسانيتنا. وفي الواقع هذا التقاعس، سيعمل فقط على تغذية الجوانب الأكثر تدميرا بالسلطة في جميع أنحاء العالم.

جدير بالذكر أن واحدا من أكبر إخفاقات نظمنا الاجتماعية، أنه عندما نتحدث عن الشجاعة أو الإنسانية، نجعل الأمر يبدو كما لو أنه يمكن تحقيقهما، فقط لعدد قليل من الناس.

إننا نطلق عليهم أبطالًا أو منقذين، وذلك على الرغم من أن الشجاعة والإنسانية ببساطة، قدرات غريزية يولد كل إنسان وهي معه.

ومن ناحية أخرى، يعد الجهل مصطنعا ومتسرعا ومزعجا. وهو رد فعل سلبي يستخدمه العقل كآلية دفاعية.

يمكننا فعل ما هو أفضل

يعد هذا، السبب في أن الجهل يتسبب في الشعور بالقلق والتوتر والارتباك. وحتى البشر، الذين يعانون نقصًا في القدرات الأخرى -العقلية أو الجسدية- يمكنهم تجربة المحبة الفعالة. وتعتبر الشجاعة والإنسانية شكلًا من أشكال هذه المحبة، وتكون أبسط أشكال الغرائز البشرية.

إن البشر بإرادتهم وأفكارهم يمكنهم دفع المؤسسات والحكومات للاجتماع، لوضع خطة عمل أفضل.

البشر، أفراد وجماعات، على حد سواء، يمكنهم أن يكونوا أقوى من المؤسسات. ونحن نرى تلك الحقيقة على مر التاريخ. إن هذا التغيير الاجتماعي والسياسي حدث عندما طالب الناس به، وإذا لم يحث الشعب المؤسسات والحكومات، لن يتغير شيء.

إن أفضل خطة قابلة للتطبيق، من أجل التعافي من الأزمة المنتشرة في أنحاء العالم، ليست مستحيلة أو تدعو للسخرية، لكنها في الواقع، تعبّر عن الشعور بالرهبة والخجل، بصوت عال بقدر الإمكان.

وتعد المواجهة لازمة، مع مؤسسات مثل الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، التي أكدت للمرة الثانية على تجريم جرائم الحرب، لكنها فشلت بشكل إجمالي في اتخاذ أي إجراء ضد مرتكبيها.

ومن الواضح أن تلك المؤسسات لا بد أن تفكر في طرق أفضل للقيام بها. ومع استمرار عمليات الإجلاء في حلب، يحتاج السوريون إلى اهتمام الجميع، وفي هذا الوقت، سينعكس الجوهر الحقيقي للإنسانية على أصواتنا.

المصدر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s