111

من يكون الرئيس الفعلي القادم لأمريكا؟

فورين بوليسي – التقرير

لا شك أن أمريكا مرت بمرحلة رئاسية انتقالية غير عادية، إذا ما قورنت بالتاريخ الأمريكي كله. فلقد شرع ترامب في التأكيد على صلاحياته الرئاسية، وتحديد السياسات الأمريكية الخارجية، منذ اللحظة التي انتخب فيها من قبل الشعب الأمريكي، دون أن ينتظر إتمام أيٍ من الإجرائات الرسمية المعتادة، أو أن ينتظر رحيل الرئيس السابق له.

عادة ما تجد في السياسات الأمريكية، إدارات مختلفة تتحكم في مجريات اللعبة السياسية، منذ الأزل، فعادة ما تتحكم في تحديد مصير قرارات الحياة اليومية، خصوصًا في الفترات الانتقالية بين فترتي الرئاسة.

فمثلا تجد أن هينري كيسينجر، المستشار الأمني المحتمل القادم في إدارة دونالد ترامب، يؤكد على أنه شارك في العديد من المجالس المهمة، في أثناء فترة إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون، بتخطيه لمنافسه المحتمل ويليام روجيرز، وزير الخارجية المحتمل القادم في إدارة ترامب، عن طريق حصوله على موافقات رئيسية مهمة سريعة من نيكسون، في أثناء فترته الإنتقالية آنذاك.

وإذا ما ألقينا نظرة على التاريخ الأمريكي, سنكتشف تكرار النمط ذاته مع من سبقه خلال فترة رئاسة جيمي كارتر, حيث عكف برزيزينسكي على السير على نفس النهج، ما أثار غضب سيرس فانس، وزير الخارجية التالي من بعده. بينما رحب رونالد ريجان بنشر الفوضى في البيت الأبيض باختياره “المجموعة الثلاثية”، للتحكم في البيت الأبيض، إلى جانب تقليصه تأثير مكتب مستشار الأمن القومي.

أما بالنسبة للرئيس بيل كلينتون، فعكف على تغيير ديناميكية إدارته، الملقبة باسم “فترة الإقتصاد الغبي”، عن طريق تأسيس مجلس الاقتصاد القومي، كشكل استثنائي. فعين روبيرت روبين مديرًا لشؤونها. وغيرها وغيرها من الأمثلة العديدة.

أما في الوقت الحاضر، ها قد اتخذ ترامب العديد من المبادرات والقرارات، ليُحوّل فترته الرئاسية، إلى الأكثر تعقيدًا في التاريخ الحديث، وهي فترة تنافي كل الدروس المستفادة من الفترات الرئاسية الماضية.. أثار أسلوب ترامب العجيب تساؤلات العديدين، بشأن ماهية من سيكون مسؤولا عن إدارة القرارات اليومية بالبيت الأبيض والحكومة الأمريكية تباعًا؟

يأتي عام 2017، ليتناسب مع الاحتفاء بالذكرى الـ70، كأهم فترة رئاسية أمريكية منذ إعادة تشكيل الهيكل الرئاسي الأمريكي. حيث تبنت إدارة هاري ترومان، في العام 1947، سلسلة من التغيرات، ردًا على محاولات فرانكلين روزفيلت المتعمدة، لتحديد سياسة إدارته للبلاد وحكومته، عن طريق “عدم معرفة يده اليسرى، بما تفعله يده اليمنى”، حيث كان مستشاروه في ذلك الوقت، على ثقة تامة من أن أمريكا لن تتمكن من مواجهة التحديات المفروضة عليها، جرّاء الحرب الباردة، دون تطبيق أسلوب تنسيقٍ أفضل. ما نتج عنه قرار الأمن القومي لعام 1947، ليُؤسس كيانًا مركزيًا للبيت الأبيض، عُرِفَ بمجلس الأمن القومي، لينسق نمط تدفق الخبرات والمعلومات مع الرئيس، والتأكد من أن تعليماته تنفذ كما ينبغي.

وتم تأسيس كيان مركزي آخر، بجانب مجلس الأمن القومي، يعمل على تنظيم تدفق المعلومات داخل الحكومة الأمريكية، ما عرف لاحقًا بوكالة المخابرات المركزية. وشمل هذا القرار أيضًا تأسيس أقسام عسكرية متعددة ومختلفة داخل وزارة الدفاع، لينتج عنها تأسيس وزارة جديدة؛ هي وزارة الدفاع الجوي. تعد هذه الاتفاقية بمثابة نقطة تحول، في تطور الحكومة الأمريكية الحديثة.

ومنذ تلك اللحظة، ظلّ الهيكل الرقابي الأمريكي كما هو تقريبًا، دون المساس به أو تغيير ملحوظ. وانحسرت قوة هذه المؤسسات معظمها، نتيجةً لأسلوب إدارة الرؤساء الأمريكيين، لمثل هذه المؤسسات. فمثلا، أسّس الرئيس الأمريكي جون كنيدي، مكتب ممثل تجاري، يهتم بالتفاوضات الدولية التجارية. وبعد الهجمات الإرهابية، التي تمت في شهر سبتمبر على برجي التجارة العالميين، اُستحدث العديد من الإصلاحات الضخمة، لإعادة هيكلة الحكومة، ما نتج عنه تأسيس وزارة الأمن الداخلي، ومجلس الأمن الداخلي، الذي أُعتُرِفَ بأنه غير سليم تمامًا في سياساته وأساليبه، وتسبب في العديد من الاختراقات القانونية.

وفي خطوة جريئة، من قبل فريق باراك أوباما، بعدم جدوى وجود العديد من المؤسسات، المرتبطة بالبيت الأبيض، تم دمج مهامها مع مجلس الأمن الداخلي، فنتج عنه ظهور مشكلة أكبر لاحقا، بتضخم العمالة الموجودة بالبيت الأبيض.

إذًا، إذا ما حاولنا تقييم إدارة الرئيس الجديد ترامب، دعونا نتساءل ماذا فعلوا حتى الآن؟

كشفت إدارة ترامب، في الأسبوع الماضي، عن كيان جديد بالبيت الأبيض، عُرِفَ بمجلس التجارة الداخلي، مهتمًا بالعديد من المهام الخاصة بالمؤسسات الأخرى، إضافة إلى إعادة هيكلة مجلس الأمن المحلي، لتعود إلى سابق عهدها، كوكالة منفصلة خاصة بذاتها. بينما أعلن عن منصب جديد، الممثل الخاص للتفاوضات الدولية، ليهتم صاحب هذا المنصب بكل المفاوضات الأمريكية في العالم. لذا، فنحن الآن نتعامل مع أربعة مؤسسات خاضعة للبيت الأبيض؛ اللجنة الوطنية للانتخابات، والممثل الخاص بالتفاوضات الدولية، ومكتب الممثل التجاري الأمريكي، ووزارة التجارة، ومن المحتمل أن يكون المرشح لها هو ويلبير روس، الذي أكد على أنه سيكون له دور رائد بهذا الصدد. كل هذه الكيانات ما هي إلا حالة من الفوضي في انتظار الانفجار؛ من تنافسات وارتباك وسوء فهم محتمل.

القادم ما هو إلا هيكل محكم، ذو إدارة جيدة، لأكبر وأكثر منظمة معقدة، لتكون أقرب إلى شكل شركة قابضة حرة. وهو أمر متوقع من شخص مثل ترامب، فمجموعة ترامب وأعماله، ما هي إلا شركة قابضة حرة، تحتوي مئات الكيانات والشركات داخلها، إضافة إلى العديد من الوحدات العاملة المختلفة والمستقلة بذاتها. لكن يكمن مفتاح النجاح هنا، في وجود يد واحدة، تحرك وتنسق بينهم . فيظهر السؤال الأهم، من الشخص المتحكم في كل ذلك؟

تشير العديد من التقارير داخل مجموعة ترامب، إلى أنه لم يكن المتحكم في قرارات اليومية. لكنها تنص على اهتمامه الخاص ببناء اسم عالمي، يُمثله ويعبر عنه وعن فكرته، وفي بعض الأحيان، يتدخل قليلا لاتخاذ بعض القرارات الخاصة باتفاقيات ذات مغزى مهم، أو في عنصر أساسي لبناء شيء أهم، تاركًا بذلك لمديري شركاته اليد العليا في اتخاذ باقي القرارات، والإعمال بها حسب رؤيتهم وسياساتهم الخاصة بهم.

بالطبع، لا تُعد مثل هذه المجموعة دليلاً على أن أسلوب ترامب، المُتّبَع داخل الحكومة الأمريكية، سيكون مماثلاً لها، لكنه أكّد في العديد من التصريحات، على أن نائبه، مايك بينس, سيكون له دور فعال في مراقبة السياسات المحلية والدولية لأمريكا. وعلاوة على ذلك كله، حرص ترامب على إحاطة نفسه في البيت الأبيض بفريق يهتم -أولا وأخرًا- برسالته وسياسته كرئيس لأمريكا، بدءًا من مستشارين مختصين، كستيف بانون وكوناي، بجانب العديد من محامي الصحافة.

تكمن المشكلة في ترامب، أن مدير العاملين بالبيت الأبيض، بريبس، لا يملك أي من المميزات التي تؤهله لهذه الوظيفة، فلا يُعتَبَر كفؤًا لها، ولا يحمل أي خبرة تُذكر في مجال التنفيذي، ولا في الأمن القومي، ولا في الاقتصاد الدولي. إلا أنه ومع كل هذا، سيصبح حامي البيت الأبيض، ذو صلاحيات الأقوى فيه.

تكمن المشكلة هنا، في أن عادة ما تكون القوة -في أي شركة قابضة- متمثلة في الشخص الذي يؤول اليه أمر تنسيق هيكل الشركة، وحل العداوات والخلافات، التي لا يمكن أن تتجنبها، فهل سيكون هذا الشخص، بينس؟ ليستمر بذلك الاتجاه الحديث، المُتَبَع من قبل الرجل الثاني في هيكل الرئاسي، بداية من ألجوري وتشيني وجو بايدن, ليرث بينس، بذلك منصب نائب رئيس أكثر قوة من أي وقت مضى؟ أم هل سيكون ذلك الشخص بانون، باحتمالية تمثيلهزلدور المستشار الخاص واليد اليمنى، التي يعتمد عليها ترامب، مثلما كان مايك ديفير بالنسبة للرئيس الأمريكي ريجان؟ أم ستمثلها جماعة صغيرة من المستشارين، منهم جاريد كوشنر أو إيفانكا ترامب؟

لا تزال الإجابة على هذا السؤال غير واضحة. لكن كلما أصبحت إدارة ترامب أكثر التوائًا وخبثًا -وفقًا لتاريخ ترامب المعروف وشخصيته- كلما أصبح من الواضح أن قدرًا كبيرًا من السلطة، سيكون في أيدي شخص مختلف، عن من اختاره الشعب الأمريكي، ليمثل أعلى منصب في الدولة.

المصدر

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s