108

«الحروب الصليبية» في العالم الإسلامي المعاصر لا تزال أمرا خلافيا

الجزيرة – التقرير

ما زال أمر خلافي إذا كانت الحروب الصليبية ذات صلة في الخطاب العربي أم لا. ويرى الإسلاميون أن الصليبيين ذي صلة؛ لأنهم يمثلون الحروب الغربية والإسرائيلية في المنطقة، وفق تصورهم.

وما زال الكثير من الإسلاميين يصنفون الحكومات الغربية، وحتى المسيحيين بأجمعهم كـ”صليبيين”، على الرغم من كون الأمر مهين فإنه يعكس الاستمرارية التاريخية من جانبهم في تحليل “الغرب”. ويعتقد برنارد لويس، أن المسلميين مهووسون جدًا بالحروب الصليبية.

العداء التاريخي

ويعتبر النقاش بشأن الحروب الصليبية ذي صلة بسبب الخطاب المعادي للإسلام من الشعوب والحكومات الغربية، عندما انتخب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وطالب بمنع رسمي لدخول كل المسلمين للبلد، وعندما ابتكرت عدد من المدن والحكومات الغربية القوانين المقيدة للحريات والقمعية المصممة ضد الإسلام والمسلمين، وعندما اكتسب وزير أمريكي مهم تابعين له بعد إهانته للإسلام ورسوله فإن المسلمين يرون أن الأمر ذو الصلة.

ولا يعتبر أمر غير منطقي للمسلمين أن يروا الموازة بين أشكال الإسلاموفوبيا الحديثة والعداء التاريخي من المسيحيين تجاه الإسلام والمسلمين، وحتى أن البابا السابق “بنديكتوس السادس عشر” تحدث عن الإسلام بلغة مستشرقي الماضي، بنفس الطريقة التي تحدث بها الجدليون المسيحيون عن الإسلام في العصور الوسطى.

ويرى الإسلاميون والمسلمون والعرب، أن هناك أيدولوجية غربية قوية “دينية وطائفية” من العداء تمتد من زمن الحروب الصليبية إلى القرن الـ21. لا تعتبر الحملات الصليبية أحداث مرت على التاريخ فقط ولكنها كانت نزاعًا رسميًا ومحاولة محو ديانة وحضارة بسبب التعصب الديني وأيضًا لأسباب اقتصادية، والتي كانت مستترة وراء الخطاب الديني.

وكان أيضًا مشروع احتلالي، والذي كان ينوي إخضاع مواطنين من خلال المجتمعات الاستعمارية والممالك، ونادرًا ما يأخذ الغرب ملاحظات على قسوة الحملات الصليبية ليس فقط على المسلمين، ولكن أيضًا على المسيحين واليهود المحليين.

وامتدت الحملات الصليبية، في حملاتها ومراحلها العديدة، على مر القرون ومن المشكوك فيه مدى إدراك الحكومات الغربية والشعوب التأثير الكارثي، الذي تسببت فيه هذه الحملات.

وتريد الحكومات الغربية دائمًا من العرب والمسلمين أن ينسوا ويسامحوا الحروب الغربية والحملات العسكرية ضد العرب والمسلمين، بغض النظر إن كانت في القرن الـ21 أو في العام 2003، ومن المريح للحكومات الغربية تمني أن يُمحى العرب هذه الذكريات.

تأثير القرون طويل المدى

كانت الحملات الصليبية أحداث مريعة في التاريخ الإسلامي، وفي منطقة الشرق الأوسط. وتكشف للعرب والمسلمين أن وجودهم في أراضيهم وبلادهم عرضة للرفض الغربي والإخلاء القسري. ربما بالغ الإسلاميون في دور الدين كدافع لهذه الحملات الصليبية، كثيرًا ما أشار المؤرخون إلى عوامل سياسية واقتصادية أخرى، ولكن ما هو واضح أن لغة الغزو الغربي لم تتحسن.

وتفجير الغرب واحتلالهم للأراضي العربية والإسلامية يعتبر التزام بالخطاب المتعصب للحملات الصليبية، وسيادة العرب في بلدانهم هو أمر ذو دلالة للحكومات الغربية.

ومن المثير للسخرية أن الحملات الصليبية في خيال الغرب، في الأدب والفن، ما زال ذو طابع رومانسي ويرسم على أنه بطولي، وحتى فيلم “مملكة السماء” لـ”ريدلي سكوت”، غاب عنها الكثير من الحقائق وقدمت العرب بشكل غير دقيق.

يبدو أحيانا أن الغرب مهووسون أكثر بالحملات الصليبية من العرب، ولكن يلاحظ العرب وسيظلون يلاحظون التشابه بين خطاب السياسة الغربية الحالية والعداء المبتذل والكراهية للمسلمين مع خطاب بابوي في الحملات الصليبية.

إنكار المسؤولية

ويعتبر الصراع بين الحكومات الغربية والعالم العربي والإسلامي هو في أساس السياسة، ولا يتمحور الأمر حول مشكلات دينية على الرغم من لغة العداء والصراعات المرسومة بشكل ومصطلحات دينية. فالأسباب الكامنة وراء كراهية العرب والمسلمين للحكومات الغربية، تعتبر ذات طابع سياسي وهو ما يدحض الافتراضات الاستشراقية الكلاسيكسة بشأن مركزية الدين في السلوك السياسي العربي والفكر.

وفكرة أن استياء العرب ضد الغرب هو لأسباب دينية بحتة، تعتبر محاولة متعمدة من جانب الحكومات الغربية لإنكار مسؤولية حروبهم وأفعالهم في المنطقة، واستمرار الأحداث التاريخية أو زوالها يعتمد على علاقتها بالواقع الحديث، كمثال على ذلك لا يملك العرب اليوم كره تجاه المغول. والبروز السياسي للحملات الصليبية مرتبط بقدرة المسلمين العاديين على رؤية صدى الحملات الصليبية في خطاب وتصرفات الحكومات الغربية.

وتفقد فكرة أن كل أفعال الغرب وسلوكهم يقوده دافع وعوامل دينية النقاط المهمة، ولكن الحركات الدينية والطائفية في الغرب غالبًا ما يكون لها ميل عدواني للإسلام والمسلمين: “بعض ملحدي الغرب في هذه الأيام مخصصون لإشعال الوضع ضد الإسلام والمسلمين”.

في النهاية، التفاهم بين الشعوب والديانات لا يسوى عن طريق الكلمات أو حتى الاعتذارات التاريخية، والتي نادرًا ما تعرض على الرغم من الاعتذار الروتيني من البابا يوحنا بولس الثاني عن الحملات الصليبية. ولا يملك العرب والمسلمون كراهية ضد الغرب بسبب الحملات الصليبية، ولكن بسبب الحروب غير العادلة الحالية من الحكومات الغربية على العرب والمسلمين.

وتستمر حقيقة أن أيدولوجية العدوانية ضد الإسلام والمسلمين تستمر في الانتشار في المجتمعات الغربية تتيح للمسلمين، وغيرهم لرسم قياس ديني بين الحاضر والماضي، ولكن الأمر يعود للحكومات الغربية لجعل الحروب الصليبية من مخلفات الماضي المنسية.

المصدر

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s