100

في فلسفة ما بعد الحداثة مع الزواوي بغوره

حمزة ياسين – التقرير

يعد كتاب ما بعد الحداثة والتنوير الزواوي بغوره، من أفضل الكتب التي قدَّمت شرحًا وافيًا لفلسفة ما بعد الحداثة، وصلتها بكل من الحداثة والتنوير، ومن ثم تبيان موقف الأنطولوجيا التاريخية عن ميتشيل فوكو، من فلسفة ما بحد الحداثة.

يحدد الكاتب مجموعة من الأسئلة، ستكون مدخله لفهم ما بعد الحداثة، وهذه الأسئلة هي: هل ما بعد الحداثة فكرة، أم تجربة ثقافية، أم وضعية اجتماعية واقتصادية، أم حقبة تاريخية لها بدايتها ونهايتها، أم أنها تمثل كل هذه المستويات مجتمعة؟ ثم ما طبيعة علاقتها بالحداثة والتنوير؟

ابتداءً، فإن ما بعد الحداثة في جانبها الفكري، تمثِّل فلسفة الربع الأخير من القرن العشرين، وطرحت قضية العقل والعلم والتاريخ والحرية، طرحًا نقديًا جذريًا وجديدًا، مقارنة بالحداثة والتنوير، لذا يتعين علينا الإجابة عن سؤال: ما طبيعة النقد الذي أجرته ما بعد الحداثة، للحداثة والتنوير؟

تركِّز هذه المراجعة على القسم الأول من الكتاب، الذي قدَّم قراءة تاريخية فلسفية لما بعد الحداثة، والحداثة والتنوير، التي رُسم فيها معالم لتلك المفاهيم الأساسية، وصلتها ببعضها البعض، عن طريق رصد ممثليه فكر أو تيار ما بعد الحداثة.

*** *** ***

ما بعد الحداثة

استعمل مصطلح ما بعد الحداثة، في عدة فترات من القرن التاسع عشر، وازداد استعماله في القرن التاسع عشر، واستعماله موضع خلاف بين المجالات المعرفية المختلفة، من أدب وتاريخ وعمارة وفلسفة.

ظهرت فكرة ما بعد الحداثة، نتيجة للوعي بأزمة الأسس، التي أعلنتها الحداثة ومشروع التنوير، وذلك منذ بداية القرن العشرين، ما نتج عن عدة عوامل، منها متعلق بالعلوم الطبيعية، مثل بروز فكرة الاحتمال في مقابل الحتمية، مع علوم الفيزياء ونظرية الكم والكونتا، ومبدأ عدم اليقين عند هايزنبيرغ، ومنها ما هو متعلق بانهيار المشروعات الغربية الكبرى: مشروع دموية الرفاه في الغرب، والمشروع السوفييتي، ومشروع التنمية في بلدان الجنوب أو العالم الثالث، وتعاظم قوى الإنتاج التكنولوجية أو التقنية، وما لحقها من آثار مدمرة على البيئة والإنسان، مثل الأسلحة الكيماوية والذرية، واندلاع الحربين العالميتين الأولى والثانية، واستعمال التكنولوجيا في الإبادات العرقية والإثنية، كما في المحرقة النازية.

هذا كله يجعل من ما بعد الحداثة، توجهًا نقديًا للتنوير والحداثة وقيمها، خصوصًا قيم العقل والعلم والتقدم والحريّة، ولآثار التطور العلمي والاقتصادي والاجتماعي، الذي لحق بالمجتمعات الغربية، ما بدأ مع نقد نيتشه للحداثة في القرن التاسع عشر، ثم تدعّم مع هايدغر، وتطور مع فوكو وفريدا وليوتار وفاتيمو.

جان فرانسوا ليوتار

يمكن القول إن نص جان فرانسوا ليوتار، الذي ظهر سنة 1979 بعنوان الوضع ما بعد الحداثي، بأنه أول نص فلسفي طرح الأفكار الأساسية لما بعد الحداثة، التي يمكن إجمالها في الاعتراض على مختلف قيم الحداثة، كالتقدم والحريّة والعقل، والإقرار بفض مشروع الحداثة.

فهو يعتبر أن غياب الأفق الكوني والتحرر العام، أمر يسمح لإنسان ما بعد الحداثة، أن يؤكد على نهاية فكرة التقدم والعقلانية والحريّة، باعتبار أن مشروع الحداثة فشل في تحقيقها، ومن مظاهر ذلك أن نصف البشرية يواجه التعقيد، والنصف الآخر يواجه المجاعة.

 لقد أصبح من غير الممكن -بحسب ليوتار- أن تفكر البشرية في مستقبل سعيد، بعد الحروب والأنظمة الشمولية التي عايشتها، لذا لا يستطيع إنسان ما بعد الحداثة أن ثق في الحقيقة والتقدم والثورة، ولا في العلوم الحديثة والمعاصرة، التي لا تستند إلا على معيار النجاح، باعتباره معيارًا مكتفيًا بذاته، ويستبعد قيم الحقيقة والعدالة.

ويُعرِّف ليوتار ما بعد الحداثة، بأنه التشكيك بالسرديات الكبرى، التي وضعها مشروع الحداثة، ويقوم على التقنية والعلم، ويفترض أن يسود ويملك الإنسان الطبيعة. ومن أهم ما يثيره ليوتار في صدد موضوع العلم، ما يسميه بشريعة العلم، إذ أعاد ربطه بسؤال المشرع، بالتالي لا يكون الحق في تقرير ما هو صادق، مستقلاً عن الحق في تقرير ما هو عادل، حتى لو كانت القضايا التي يثيرها الحقان تختلف في طبيعتها، بالتالي فإن هنالك علاقة بين العلم والأخلاق.

لا يرى ليوتار أن ما بعد الحداثة تتحدد بالحداثة على أساس التعاقب والتسلسل، بل يعتبرها تدشن شيئًا جديدًا، وتُعيد عقارب الساعة إلى الصفر.

إن ما يهدف إليه ليوتار، هو نقض سرديات الحداثة الصلابة، التي جمَّدت الحقيقة، لصالح بناء الوضع ما بعد الحداثية، القائم على تحقيق سياسة تقوم على التسليم بالخلافات، وعلى إقرار التعدد والتنوع.

جان بودريارد

يصف جان بودريارد ما بعد الحداثة، بأنها تمثل الفراغ الاجتماعي والسياسي والنفسي، وأن هذا الفراغ يؤدي نحو العدمية، التي تمتلك شكلين: عدمية مرضية، وأخرى إيجابية.

ويصفها أيضاً بعصر اللايقين والظن والشك، كما تتميز بالنهايات، بمعنى أن لكل شيء نهايته، بما في ذلك وعود الحداثة، المتمثّلة بالتقدم والعقلانية.

ويعتبر بودريارد أن ملامح ما بعد الحداثة أن التاريخ انتهى بوصفه دراسة للأحداث، وذلك بفعل كثافة الأحداث ذاتها، وبفعل كثافة الإعلام، وبفعل استحالة الرواية والسرد، إذ إن تسارع الأحداث لا يتيح إلا تصويره،  من دون الكتابة عنها وروايتها.

واشتهر بودريارد بفكرته عن “موت الواقع”، التي يعتبر فيها أن الواقع مات بفعل تراكم الصورة والتحليل على الحدث الواقعي، التي تطغى في النهاية على الحدث نفسه، إلى أن يغيب تمامًا، كأنه مات رمزيًا.

جيل لبوفتسكي

يئَّفق جيل لبوفتسكي مع ليوتار، في مسألة إفلاس السرديات الكبرى، ويرى أن حقبة الحداثة، التي بدأت مع القرن الثامن عشر وعصر التنوير، حيث كان الاعتقاد السائد بأهمية الثورة، والخروج عن التقاليد، والإيمان بالعقل، والاكتشافات العلمية، والتقدم اللامتناهي للتاريخ، انتهت إلى كوارث القرن العشرين، ما كشف عن إفلاس هذه السرديات.

وتعبر ما بعد الحداثة في نظره، عن التحولات والتغيرات الناتجة عن الثورة، في عالم الاستهلاك والاتصال، وظهور أنواع جديدة من الذوق والمتع والرغبات، التي أضاف لها فكر 1968 الحرية الجنسية والحريّة النسوية، إضافة إلى تحول المجتمع إلى التركيز على الفرد وعلى الرفاهية وتحقيق الذات، والدفاع عن أجواء اللعب واللهو، والعيش في الحاضر وعدم التفكير في المستقبل أو محاولة استرجاع الماضي.

لقد قدم لبوفتسكي تحقيبًا للحداثة وما بعد الحداثة، حيث يرى أن الحداثة بدأت منذ القرن الثامن العاشر واستمرت حتى سنة 1950، وتميزت بثلاث مميزات هي: الفرد وما بني عليه من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان\ السوق وهو ما يجسده النظام الليبرالي على المستوى الاقتصادي\ وهيمنة العلم والتقنية، لكن مع بداية الستينات ظهرت ما بعد الحداثة بسماتها العامة، المتمثّلة بتراجع الدولة، وتحول الدين والعائلة إلى شؤون فردية وذاتية، وأصبح السوق يفرض نفسه على كل المستويات.

كما تناول حالة المجتمعات المعاصرة، في كتابه “أزمنة الحداثة الزائدة”، حيث حلل مظاهر أساسية تتمثل في تسارع الاقتصاد الليبرالي والسيولة والفائض الإعلامي والاستهلاك المضاعف، وكشف في الوقت نفسه عن المفارقات التي تخترق المجتمع المعاصر، ومن هذه المفارقات: الاستمتاع بالحاضر والخوف من المستقبل، الخضوع لسلطة الإعلام، الهروب من الالتزام السياسي والانتماء إلى جمعيات الخير العام والأعمال التطوعية.

إن ما يضيفه لبوفتسكي هو مصطلح الحداثة الزائدة، كبديل عن ما بعد الحداثة، سواء في علاقتها بالحداثة أو في قدرتها على وصف المرحلة التاريخية للمجتمع الحديث، وصفة الزائدة تتضمن القدرة على تجاوز الدائم والمستمر للوضعية والحالة المحددة، ففي حين تبنى ما بعد الحداثة علاقتها مع الحداثة بصورة وشكل القطيعة والنقد، تعمل الحداثة الزائدة على التجذُّر في الحداثة وتعديل مسارها.

إذا كانت ما بعد الحداثة تكتفي بالآن والحاضر، فإن الحداثة الزائدة ترى أن غدنا قابل لكل الاحتمالات، وفي حين عُرِفت ما عن الحداثة بالانطلاق والمرح والمتعة، فإن الحداثة الزائدة ترصد أيضاً صور الإكراه والضغط والمنع، مثل الخوف من التسلع والسوق والاحتباس الحراري والبطالة والانتشار التقني.

وفي حين تعد ما بعد الحداثة بمستقبل مشؤوم وأسود، تفتح الحداثة الزائدة المستقبل على العديد من الاحتمالات، وتدعو المثقف أن يتَّخذ موقف التحليل العقلي والنقدي للواقع.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s