التداعيات الاقتصادية ليست سببا.. الشعبوية تحكم العالم بخطى ثابتة

بلومبيرغ – التقرير

على الرغم من تزايد مخاوف الناس بدءًا من الغرب الأوسط الأمريكي وحتى اليونان، حيث سيطرت نزعه شعبوية إلى جانب الحكومة ذات السياسات التقشفية على مقاليد الحكم لما يقرب من عامين حتى الآن، فما هي إلا جزء متأصل بسبب شعور بتخلي الاقتصاد العالمي عن الشعوب، حيث ستجد شعورا بعدم الرضا متأصلا بداخلهم عن طريقة الحكم، ولن يرضيها تحديد برامج حوافز مالية، أو عائد من رسوم على الواردات أو خلق سوق من الأسهم بسرعة.

ستجد أنه مع انخفاض معدلات البطالة التي وصلت إلى 3.2% في أمريكا، إلا أن المواطنين الأمريكيين يشعرون بالانزعاج من تزايد أعداد المهاجرين غير الشرعيين، ولذلك اتجهوا إلى انتخاب دونالد ترامب، بينما تؤيد الطبقة المتوسطة الفرنسية حزب الجبهة القومية الفرنسية، وهو دعم قد يساعد في دفع عجلة الحزب المناهض للاتحاد الأوروبي تحت قيادة مارين لوبان؛ ليتغير مكيال القوة الفرنسية في الربيع المقبل. فالعالم سيشهد بناء حوائط جديدة، سواء كانت حقيقية أم لا.

وبالتالي قد تمر عدة أعوام حتى يستوعب صناع القرارات السياسية أهمية القوى السياسية والاقتصادية المسيطرة على الساحة الآن، فما بالك بخلق قضية للعولمة تضمن بها خلق حالة من الاستئناف لمحاولة الدفاع عنها؟.

وتؤكد تدابير العولمة المالية والتجارية إرهاق الكيانات المندمجة، التي كونت في العالم في الأعوام الماضية، والتي كانت تهدف لرفع المستوى المعيشي لمئآت الملايين، خارج خط الفقر، في دول العالم النامي، حيث تشير المعلومات المنشورة من قبل بنك التسويات الدولية في بازل وسويسرا إلى انخفاض معدلات الإقراض المصرفي للبنك الدولي منذ بداية الأزمة المالية، إضافة إلى ركود إصدار السندات الدولية، فشهد العالم ارتجاف النمو العالمي إلى حد الشلل التام.

وعلى الرغم من تضاعف كمية تجارة البضائع والخدمات التجارية في العام 2015 عما كانت عليه في العام 2005، فإن نسبة تجارة البضائع انخفضت بشكل حاد في العام 2015؛ لتصل في الوقت الحالي لما كانت عليه في العام 2005، وفقًا لما أشارت إليه بيانات صادرة عن منظمة التجارة العالمية.

وأوضح راؤول ليرينج، رئيس التحليل في التجارة الدولية ببنك ING في أمستردام، حالة التجارة العالمية قائلا: “تنحدر التجارة العالمية إلى حدود أكثر ظلمة وكآبة”، مضيفا أن حجم التجارة العالمية ضربت في شهر أكتوبر الماضي، فهي في طريقها إلى أن تكون أسوء عام مر بالعالم منذ العام 2009.

وإذا قمت بزيارة قلب المدن الصناعية الأمريكية، ستقابل العديد من الأشخاص الذين يرجعون سبب صراعاتهم ومعاناتهم إلى المنافسة الأجنبية غير العادلة، فمن الصعب إيجاد فرص عمل جيدة, وإذا وجدت وظيفة شاغرة ستجد أن أجرها هزيل لا يرضيك.

110

تفاؤل السوق

وفي الوقت نفسه، تعكس الأسواق المالية الأمريكية التفاؤل وكل ما ينافي مؤشرات الكآبة، حيث بلغ عائد سندات الخزانة لمدة 10 سنوات ليصل إلى 2.6% في 15 من شهر ديسمبر الحالي، فتصل بذلك إلى أعلى معدلاتها منذ شهر سبتمبر من العام 2014، ولذلك يشعر المستثمرون بالتفاؤل تجاه فرص النمو القوية في أكبر اقتصاد عالمي.

الطرد

ويُعد من الخطأ شرح المشاعر المناهضة للمؤسسات من منظور اقتصادي بحت، فتُشير الانتخابات الرئاسية الأمريكية إلى أن كل من رشحوا هيلاري كلينتون هم من أندرج اهتمامه بالاقتصاد كأهم قضية قائمة على ساحة العالم، بينما اعتبر ترامب اختيار أفضل لمن انشغلوا بالأمن القومي وقضايا الهجرة، فالعالم يعاني من معدلات الهجرة غير الشرعية الضخمة والعاملين غير المُوثّقين.

111

أما في أوروبا، قد تمثل قضية الهجرة غير الشرعية مصدرًا للتوتر أكثر من أزمة التجارة، حيث تسبب تدفق اللاجئين السوريين جرّاء الحرب المُمَزقة لسوريا في تجديد مناقشات حساسة تدور حول الهوية والثقافات مثل انتواء رئيسة الوزراء البريطانية على انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في أول جزء من العام 2017، لتلخص اهتمامها المنصب على السيطرة على الهجرة إلى الأراضي البريطانية.

ولا يجب أن ننسى محاولات الأحزاب القومية لفرض أنفسهم على الساحة السياسية في ألمانيا وفرنسا وهولاندا بحلول العام 2017، وهو بالطبع ما سيشكل مستقبل الاتحاد الأوروبي، فنهاية العولمة كانت قادمة لا محال، حيث فشلت النخبة العالمية في العديد من الدول في حماية مزايا العولمة

سميث وريكاردو

تدفق وانحسر انفتاح السوق العالمي على مدار التاريخ الحديث، حيث سعت القوى الأوروبية إلى تخزين الذهب والفضة من خلال الوصول إلى أعلى معدلات ممكنة في التصدير للشعوب الأخرى، فسادت النزعة التجارية حتى وضّح آدم سميث وديفيد ريكاردو قدرة التجارة على جعل حياة الدول أفضل من ما كانت عليه.

وساعد تبني هذا المبدأ في القرن الـ19 على وضع أسس ما يعرف باسم العصر الأول للعولمة، فازدهرت التجارة بتطور التكنولوجيا مثل المحركات البخارية واستقرار النقدي بمعدلات الذهب، إلا أن العالم سقط في طيات الكساد، لتطبق الرسوم الجمركية عينًا بعين، وخفضت قيمة عملات العديد من الدول. فكان على العالم أن يمر بمرحلة الحرب العالمية الثانية لإقناع الحكومات بالتوقف عن تطبيق نظريات النوعة الحمائية القومية.

ويواجه العالم، اليوم، مخاطر فترة مناقضة للعولمة “شعبوية”، وهو ما قد يترتب عليه تباطؤ معدلات النمو التجاري، وإعاقة  التدفقات المالية، وتآكل نموذج الأعمال التجارية متعددة الجنسيات المتبعة من قبل العديد من الشركات.

تحدي لاجارد

واعترف صندوق النقد الدولي بانحياز النظام العالمي بشدة إلى الأغنياء ومن يعتلون أعلى مناصب السلطة.

ففي مقابلة صحفية أجريت الشهر الحالي بمقر صحيفة بلومبيرج، عبرت كريستين لاجارد، مدير صندوق النقد الدولي، عن حاجة العالم إلى الاتجاه لوجه جديد من العولمة، ووجه لا يتغاضى عن الناس ويتخلى عنهم في ركب مسيرته.

وسيخصص المدافعون عن حرية تدفق رأس المال والعمل العام المقبل لمحاولة معرفة ما يمكن أن يُفعَل تمامًا مثل أهداف المنتدى الاقتصادي العالمي، والذي من المفترض أن يعقد في يناير المقبل من العام 2017، إضافة إلى مجموعة العشرين في محاولة لاستغلال العولمة لإفادة الجميع من خلال الاستفادة من مزايا التنافس الدولي والدول التي تسمح لمواطنيها بإدارة التغيرات الاقتصادية بأنفسهم وحياتهم الاجتماعية.

112

الشئ الوحيد المؤكد عن الشعبوية هو أنها تسير بنفسها، وليس بالضرورة بطريقة ترضي مؤيديها، يكمن سبب ومصدر علاج الشعبوية في ما يطلق عليه أحد علماء السياسة اليوناننيين “أزمة التمثيل”.

وبطريقة أخرى، يمكن القول، إن المهم هو الهوة بين الناخبين والحكومات. من المؤسف أن نشهد على فشل ما كنا نعتقد سيتجه بنا على التغيير ولكن مساره تغير ليصبح شيئًا لا معنى له وخطير.

المصدر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s