من الممكن أن يحقق العالم السلام والرخاء بسهولة.. إذا ما أراد ذلك

فورين بوليسي – التقرير

“فليحل السلام في الأرض، والنية الطيبة تجاه كل رجل”… مقولة تتكرر كثيرًا هذه الأيام، في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية، لكن إذا ألقينا نظرة على الواقع المرير، سنجد أن آفاق السلام والنية الطيبة تتلاشى أمام أعيننا، سواء في الداخل أو من الخارج. فدَرء الدوامة السياسية الخارجية والداخلية، التي تتجه تدريجيًا الى العنف والعدوان، يتطلب معرفة جيدة وجادة بخبايا ما أدى إلى حدوث كل هذه الأخطاء، والرغبة في إعادة التفكير في أسلوبنا واتجاهاتنا الحالية.

كتبت ستيفان والت مقالًا، منذ عام تقريبًا، تناول أهمية السلام الدولي بالنسبة للمصالح القومية للولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن كل المرشحين للانتخابات الرئاسية لم يستفيدوا من هذه النقطة -حتى بيرني ساندرز- لمصلحة حملاتهم الانتخابية. فقد ترددت العديد من الشعارات الرنانة عن القوة، والتصالح، والعظمة، والقيادة، وما صحبها من تحذيرات عديدة من التهديدات المزعومة، والأعداء الذين يحدقون بالولايات المتحدة الأمريكية، لكن نادرًا ما ذكرت كلمة واحدة عن فضائل السلام، أو السياسات المفترض اتباعها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، للحفاظ على قيمها. في الواقع، عكف أحد المرشحين على اختلاق تعليقات غريبة وتصريحات أعجب، مهددًا معارضيه السياسيين بالعنف. ولك أن تتخيل أن الشخص الذي فاز بالانتخابات هو الشخص نفسه.

إذا ما ألقينا نظرة أبعد من نطاق أمريكا، سنجد بصيصًا ضئيلًا يبعث علينا الأمل. فمثلاً، سنجد أن هناك بعض النقاط المضيئة -مثل إعادة تجديد العمل باتفاقية السلام في كولومبيا- لكن مثل هذه الحوافز المشجعة، نادرًا ما تحدث، وإن تمت تتخذ أبعادًا زمنية متباعدة جدًا.

كان الاتحاد الأوروبي، يعد إشارة جيدة مشعة، بسبب قدرة أعضائه على تخطي تاريخ صراعهم سويًا، والتزامهم بالارتباط بالاتحاد الأوروبي؛ إذا ألقينا نظرة على حال الاتحاد اليوم، ستجد أنه يتجه ببطئ إلى التحلل، فها أصبحت سوريا أرضًا قاحلة مهدمة، بينما أنغمرت أفغانستان واليمن والصومال والعراق وجنوب السودان وليبيا في دائرة لا نهاية لها من العنف. بينما ستجد بداية تغيير الساحة السياسية في آسيا أيضًا، فها بدأ الرئيس المنتخب ترامب في التشكيك في سياسة الصين الواحدة، متنكرًا للشراكة عبر المحيط الهادئ. يا لها من خدعة جيدة؛ حيث نجح ترامب في استفزاز الصين، والتقليل من مكانة أمريكا في آسيا في نفس الوقت، دون حتى أن يصل الى البيت الأبيض. فماذا سيحدث بعد وصوله إليه؟

إضافة إلى كل ذلك، أصبحت الخطوط الحمراء التي تفصل بين الولايات الأمريكية والدول الأخرى ضبابية، حيث اعتادت مثل هذه الخطوط على منع تدخل دولة ما في مصالح الأخرى، فأصبح الخوف من الغرب حافزًا لبناء حدود محددة لكل دولة، لتسهل بذلك عملية كشف أي اختراق لقوانين أيٍ منها. لم تمنع كل هذه القوانين نشوب الحروب بالطبع، لكنها سهّلت من عملية تحديد القوانين والاتفاقيات، فكل دولة تخشى من أن تتدخل في شؤون الأخرى، كي لا تتخطى أي دولة حدودها الخاصة، وتتلاعب بمصالحها القومية، ما حد بالتالي من كثرة نشوب الصراعات والحروب، خصوصًا إن كان القادة لا يحبذون خوض مثل هذه المخاطر.

تتجه موازين القوى الدولية إلى التغير -وكالعادة لا تتجه إلى طريق تطوير السلام الواعد- بينما تتزايد النزاعات حول المعالم المعروفة من الرقعات الدولية، ما يتطلب الكثير من الصبر والمحاولات الدبلوماسية، لاحتواء هذه الخلافات في سياقها، دون الخروج عن الحد المسموح به. ونظرًا للتقلبات الدولية، لم يكن قرارًا صائبًا أبدًا، أن تسلم السياسة الأمريكية في هذا الوقت، إلى حفنة من الهواة والأيدولوجيين.

واحسرتاه! لا تشير الأوضاع الحالية داخل أمريكا إلى أي بشائر للسلام. فها أرست الانتخابات الرئاسية الأمريكية مستوى منخفضًا جديدًا في التحضر والخطاب العقلاني، ما بدأ التحضير له منذ الحرب الباردة، فالمستوى الثقافي السياسي الأمريكي في إنحدار منذ ذلك الحين. لا بد أن يكون هناك عوامل عديدة لإرساء أساس الديمقراطيات المستقرة؛ من اقتصاد مؤثر فعّال، وثقة في انتخابات جيدة نزيهة، ودستور جيد.

لم يكن من المتوقع أن تتجه الولايات المتحدة إلى هذا النسق، ففي بداية العام 1990، اعتقد العديد من الخبراء أن انهيار الشيوعية في العالم، سيضع الولايات المتحدة وبقية العالم على أعقاب حقبة جديدة طويلة من السلام والإزدهار؛ حيث بدأت الديمقراطية والأسواق الحرة في الانتشار، وتحولت العولمة لتكون مصب اهتمام العالم أجمع، وكان من المفترض أن العالم خط آخر سطور العنف في تاريخه. بينما اعتبر الشعب الأمريكي، في ذلك الوقت، أن نسختهم من الديمقراطية ما هي إلا النموذج الأمثل، الذي يجب أن يتبعه الجميع، وتوقعوا انتشارها بمرور الوقت في كل مكان.

لو أن هذه النظرة المتفائلة تستمر للأبد، إلا أن القليل من الأذكياء فقط، من تمسكوا بها. ماذا حدث إذًا لهذه النظرة المشرقة للعالم؟

أولا: تبنى العديد من الليبراليين، في كلا الحزبين السياسيين الأمريكيين، العديد من النظريات المعيبة عن السلام الدولي. حيث أعتقد بعضهم أن الارتباط الاقتصادي، سيؤدي إلى إلزام الدول للاتحاد مع بعضهم البعض، ليتحول بذلك الصراع غير العقلاني إلى شيء مستحيل حدوثه، فيصبح من النادر جدًا حدوث أي حرب أهلية. لكن فشلت العولمة في تنفيذ كل ما كان متوقعًا منها؛ فأغتنى “وول ستريت” وافتقر “مين ستريت”. ولم تكتف العولمة بذلك فقط، إنما تسببت في أن أصبحت العديد من الدول أكثر ضعفًا وعرضًا للانهيار، أمام الأحداث الاقتصادية في أي مكان كانت، خصوصًا مثلما حدث في أحداث الأزمة المالية العالمية في بداية العام 2008، بعد انهيار “وول ستريت”، ما نتج عنه نمو الشكوك في حكمة وقدرات النخبة الراسخة، لتفتح بذلك الباب أمام الشعبوية؛ ممن لا يفقهون شيئًا، لعام 2016.

وآمن زعماء أمريكا أن انتشار الديمقراطية، سيضمن ترسيخ السلام، خصوصًا إن كانت توفر هذه الديمقراطيات، ما هو إلا ضمان للبقاء على أمنها. بسبب هذه الأفكار المثالية، مثلما حدث في العلاقات الروسية، أُثير رد فعل روسي قاسٍ في النهاية، بخصوص جورجيا وأوكرانيا وأي مكان آخر. وفي نفس الوقت، محاولة نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط، دمّرت المؤسسات السياسية الموجودة من الأساس داخل المنطقة، من ضمنها تنامي سيطرة وقوة مُتطرفي القاعدة أو تنظيم الدولة وإزدهارهم، لكن تسببت أفكار الليبرالية في افتعال تأثير مخالف تمامًا لتوقعات الجميع.

لا يمكن أن ننسى تأثير قوة أمريكا والخوف منها على العالم أجمع. فيعتقد البعض أن تنامي القوى الأمريكية بعد الحرب الباردة، تسبب في اندلاع العديد من الصراعات في العالم، فعلى الرغم من نجاح قوى أمريكا في إحباط العديد من المشاكل في أماكن مختلفة، ف إنها فشلت في تطبيق النظام في كل مكان. بينما شجع مركزها المهيمن، أعداءها وحلفاءها على البحث عن طرق عديدة، لترويض القوة الأمريكية، والسيطرة على طموح واشنطن، وكلما تزايدت قوة الدول الأخرى، كلما انخفضت قدرة أمريكا على مراقبة العالم أكثر وأكثر.

لنكون أكثر صراحة، لا بد أن نعترف أن الحفاظ على السلام الدولي لم يكن ضمن أولويات واشنطن السياسية، فقد تسببت رغبة أمريكا في إعادة تشكيل السياسة العالمية وميزان القو،ى في ضرب أمريكا لسيبيريا، وغزو العراق، وتغيير بناء الشعوب في أفغانستان، والإطاحة بمعمر القذافي، بجانب نطاق أوسع من الجهود المبذولة لتعزيز الديمقراطية والعولمة، عن طريق وسائل أكثر اعتدالاً.. تفسر مثل هذه السياسات، أسباب مساعدة أوباما لدفع حسني مبارك خارج مقاليد الحكم في العام 2011، بجانب إعلان رأيه بضرورة رحيل بشار الأسد، عندما بدأت المظاهرات السورية. كان من الخطأ اعتبار الليبرالية البناء المحدد لسياسة أمريكا الخارجية، فلم تكن بمثابة وصفة جيدة لسلام مستقر.

لا بد أن يكون السلام هدفًا أساسيًا؛ فالسلام ما يحقق كل الخطط الممكنة. فكما عرف الواقعيون منذ قديم الأزل، الأمن والنظام الشرطين الأساسيين للتقدم البشري، فيسمح لنا بالتخيل والبناء، ونستمتع بما تقدمه لنا الحياة من أفراح وسعادة. أما بالنسبة لليبراليين الديمقراطيين، فهم يؤمنون بأهمية تطبيق العديد من القيود على مقاليد القوة، ومشاركة التزامات الحياة والحضارة، من أجل تحقيق السلام، ما حاول مؤسسو أمريكا إرساءه، ليعيشوا في سلام وسعادة، دون خوف من أعدائهم الأجانب، ليعيشوا في حياة لا يخشون فيها من بعضهم البعض.

وبنظرة على موقف العالم الحالي، لا بد أن نسعى إلى التوحد أمام من يدعو إلى الانقسام، ونساند من يسعى إلى المناقشة العقلانية، لبناء مستقبل عالمي أفضل، يعم به السلام، ونقضي على من لا يؤمن بإرساء قوانين، تجعل الحياة مكانًا أفضل، مليء بالسلام والنية الطيبة تجاه البشرية.

المصدر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s