108

لماذا لن يكون مقتل السفير الروسي في تركيا بداية حرب عالمية ثالثة؟

أتلانتيك – التقرير

قُتلت إمبراطورة النمسا في سبتمبر من العام 1898، بعد أن طعنها إيطالي في جينيفا بسويسرا، في حادثة مفجعة هزت أوروبا. وبعد مرور أربعين عامًا على هذه الحادثة، عبرت الكاتبة الروائية “ربيكا ويست” عن أنها ما زالت تتذكر هذه الصدمة وأثرها على الصحافة ووسائل الإعلام. حيث شرحت ما شعرت به كونها خادمة حائرة: “تتسبب العمليات الاغتيالية فيما هو أسوأ من الفعل نفسه.”

لكن هل فعلاً يحدث ذلك؟

تكررت مثل هذه الحادثة مرة أخرى، بعد مرور 16 عامًا، بإطلاق النار على الأرشيدوق فرانس فريدناند، وريث عرش الإمبراطورية النمساوية، لتكون الفتيل الذي أشعل الحرب العالمية الثانية في قارة أوروبا، إلا أن قتل الإمبراطورة إليزابيث، على الرغم من بشاعتها، لم تكن ذات تأثير سياسي فعال، حيث أعتبرت حالة إجرامية طبيعية، وحوكم من ارتكبها بالسجن مدى الحياة، ثم انتحر بعد ذلك في العام 1910.

لا يمكن حصر الاختلاف بين واقعتي القتل، أو الحكم عليهما من واقع المشاعر والعاطفة؛ حيث كانت تعد الإمبراطورة شخصية عامة بارزة في المجتمع، ومحبوبة من قبل الإمبراطور زوجها، بينما كان الأرشيدوق فرانس فرديناند مكروهًا من قبل أهله وشعبه أيضًا.

أدى مقتل الأرشيدوق إلى الحرب، ليس بسبب حزن أحد مهم في العالم آنذاك عليه بشدة، إنما تعود إلى ترحيب النمسا باستغلال أي ثغرة، من أجل معاقبة سيربيا على استفزازاتها المستمرة. هذا ووفرت علاقات جفريالو برينسيب، المتصلة بجماعات سيربيا الوطنية هذه الثغرة. ما كان مختلفًا تمامًا في العام 1898، ففي ذلك الوقت لم يكن لدى النمسا نية لبدأ أي صراع دامٍ مع إيطاليا، لذلك تخلت البلاد آنذاك عن الانتقام من مقتل الأمبراطورة العزيزة على قلبهم، ليتخذ القانون مجرياته.

تتسبب الاغتيالات في اشتعال فتيل الحرب، وتعد فرصة جيدة لافتعالها؛ لكن لا تكون السبب الأساسي منها.

لنتطرق إلى  مثال أكثر كأبة وإزعاجًا:

وصفت العديد من التقارير الخاصة بمقتل السفير الروسي في تركيا، بجريمة دافعها الغضب الشديد تجاه الأعمال الوحشية، التي تسببت بها روسيا في سوريا. قد تعود بنا هذه الواقعة لأذهاننا ذكريات مشابهه بهيرشيل غرينزبان، وهو شاب يهودي حاول الثأر من المعاناة، التي شهدتها أسرته على أيدي النازيين، عن طريق قتل دبلوماسي ألماني في باريس في نوفمبر من العام 1938، ما استغله هتلر عذرًا لافتعال هوجة جديدة، للهجوم على اليهود عرفت باسم “ليلة الكريستال”.

إلا أنه عندما قتل طالب يهودي زعيم الحزب النازي السويسري، في فبراير من العام 1936، لم يكن لهتلر ردة فعل إزائها. أمنت ألمانيا دورة الألعاب الأولومبية لعام 1936، قبل صعود هتلر للسلطة، وكان هناك العديد من التحريضات هذا العام، لإلغاء الاحتفال بالجوائز، لحتجاجًا على النازية المعادية للسامية. ولم يتوقف الأمر على هذا المثال فقط، إنما ترك هتلر حادثة قتل ويلهالم جاستلوف لتتلاشي في غياهب غموض التاريخ. (حيث نجح قاتله في البقاء على قيد الحياة، حتى بعد الحرب العالمية الثانية بسجن فس سويسرا.)

فحتى هتلر نفسه استغل الاعتداءات لغاياته الخاصة، عوضًا عن أن تكون الدافع لإشعالها.

فهل ستتسبب جريمة اليوم في إشعال شرارة الصراع بين بوتن وإردوغان؟ بالطبع ستكون كذلك، إذا ما أراد مثل هاذين الحاكمين المستبدين اختلاق المشاكل. وإن حدثت بالفعل، فلن يكون اغتيال السفير الروسي، السبب  الرئيسي في حدوثها، لكنها ستكون مجرد تبرير لها. لكن في حالة تجنب حدوث أي شيء، وهو السيناريو المرجح، لن يكون بسبب التزام أي من القائدين العنيفين النبيل بالسلام، لكن سيكون لأن حالات الوفاة، مثلها مثل كل حياة، تعد ذات قيمة فقط، إذا ما ارتبطت بأغراضهم السياسية الأنانية القاسية.

المصدر

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s