104

هل تؤدي الأزمة السورية إلى انهيار النظام العالمي؟

عبداللطيف  التركي – التقرير

يُنبّئ التغير الذي يحدث في منطقة الشرق الأوسط، وصراع النفوذ بين الدول الكبري، وعودة القواعد العسكرية من جديد، بانهيار النظام العالمي الذي وضع في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وولادة نظام جديد تحتوي فيه قوى عالمية دولًا إقليمية لديها طموح في التوسع على حساب كيانات أخرى.

ففي العراق، تعمل إيران وقوات الحرس الثوري، وميليشيا الحشد الشعبي الطائفية، تحت مظلة المقاتلات الأمريكية، ويقود مئات الخبراء والمستشارين العسكريين المعارك هناك، وفي سوريا تتحالف إيران مع روسيا، وتعمل قوات الحرس الثوري، والميليشيات الشيعية الطائفية التي استقدمتها طهران من شيعة باكستان وأفغانستان والعراق، تحت المظلة الروسية، لدعم ومساندة نظام بشار الأسد، كما تلعب إيران دورًا كبيرًا في دعم الحوثيين باليمن، في مقابل “التحالف العربي” الذي تقوده المملكة العربية السعودية.

انهيار النظام العالمي

قال السيناتور الأمريكي، جون ماكين، إن ما يحدث في سوريا إلى جانب أمور أخرى في العالم تعتبر من وجهة نظره إشارة محتملة لانهيار النظام العالمي، الذي وضع في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

وأوضح ماكين، في مقابلة حصرية مع CNN: “إننا نرى عمليات الذبح في حلب بصور تكسر القلوب، كل هذا يجري بسبب الإخفاق الكامل للقيادة الأمريكية، فعندما لا تقود الولايات المتحدة الأمريكية، فإن أشخاصًا آخرين سيتولون القيادة، ولهذا نرى الذبح في حلب”.

حلب والإبادة الجماعية

105

وأكد ماكين: “كسر قلبي لما يجري في حلب، الإبادة الجماعية التي تحصل هناك، إحدى أكبر المذابح الجماعية في القرن العشرين.. وعلى الولايات المتحدة الأمريكية القيام بالكثير في سبيل استعادة موقعها، والدفاع عن هذه الأمة”.

وتابع: “عندما نرى احتجاز السفن والهجمات الإلكترونية وتقطيع أوصال سوريا، وكل الكوارث التي تقع هناك، في الوقت الذي نجلس فيه نشاهد ما يحدث، فهذا يمكن أن يكون إشارة إلى انهيار النظام العالمي، وهو النظام الذي صنع أكثر الأوقات سلامة وأمنا في تاريخ العالم”.

أشهر الساسة الأمريكيين

106

ويعتبر جون ماكين، أحد أشهر الساسة الأمريكيين على الإطلاق وأكثرهم نفوذا، كما أكسبته احترام الكثير من الديمقراطيين والمستقلين، حتى يشاع أن ماكين كان اختيار السيناتور الديمقراطي جون كيري الأول، نائبا له في انتخابات العام 2004 الرئاسية، في مواجهة جورج بوش وديك تشيني، وحينما رفض ماكين عرض كيري تحول الأخير إلى جون إدواردز، وفي تلك الفترة خرج ماكين للجماهير، ليعلن مساندته لجورج دبليو بوش ولسياساته، ما رفع أسهم ماكين عالية في أوساط الحزب الجمهوري، وأسهم أيضا في حشد الدعم خلف حملة جورج دبليو بوش الرئاسية 2004.

سيناتور أريزونا

“ماكين”.. سيناتور أمريكي عن ولاية أريزونا، ومرشح الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة الأمريكية للعام 2008، ولد في ابعام 1936 وهو ينحدر من عائلة شغلت مناصب رفيعة في البحرية الأمريكية؛ لأن والده قائد عسكري كبير قاد القوات الأمريكية في بعض فترات حرب فيتنام وجده قائد معروف.

وتلقى ماكين التعليم الثانوي في مدرسة داخلية تابعة للكنيسة الإسقفية الأمريكية، ثم واصل دراسته في أكاديمية البحرية الأمريكية في مدينة أنابوليس بولاية ميريلند، والتي تخرج فيها أبوه وجده أيضا. ولم يحصل ماكين على نجاح كبير في دراساته الأكاديمية إذ تخرج في المرتبة الـ894 من بين 899 طالبا. وتخرج مكين في الأكاديمية البحرية الأمريكية في العام 1958.

بطل قومي

بعد تخرجه من الأكاديمية العسكرية في 1958، تجند ماكين وتعلم الطيران، وفي العام 1960 عمل طيارا وكان مرابطا على متن حاملة طائرات أمريكية في البحر الكاريبي وفي الشرق الأوسط.

وفي العام 1967 أرسل إلى فيتنام، أيام حرب فيتنام، ليقود طائرات “إيه-4 سكاي هوك”، عندما كان على متن حاملة طائرات في خليج تونكين،

نجا من الموت في كارثة أسفرت عن مقتل 134 جنديا آخر، نجمت هذه الكارثة عن إطلاق صاروخ على طائرة ماكين أو الطائرة المجاورة له خطأ، ما أدى إلى سلسلة من الانفجارات وحريق على متن حاملات الطائرات، وتمكن ماكين من الخروج من طائرته وحاول مساعدة طيار آخر، ولكنه أصيب بجروح إثر أحد الانفجارات، كانت إصابته طفيفة فعاد إلى الخدمة بعد شفائه، وخلال سنوات وقوعه في الأسر، تحول ماكين إلى بطل قومي، وخاصة في ظل معاناته وبسبب أسرته العريقة المشهورة، ولم يتعجب كثيرون من أن تلقى سيرة ماكين الذاتية نجاحا كبيرا، وتساعده في حملته الانتخابية خلال العام 2000 ، حتى إن هوليود حولت سيرة ماكين الذاتية إلى أحد أفلامها.

واشنطن وسياستها المضطربة

107

وينذر الصراع في المنطقة بين الولايات المتحدة – وسياساتها المضطربة والمترددة في عهد باراك أوباما-، وروسيا التي بدأت في لعب دور مهم وتعود للشرق الأوسط أكثر قوة من خلال البوابة السورية، ينذر بخطورة شديدة خلال الفترة المقبلة، في ظل صراعات محتدمة بين الدول الغربية وروسيا، والاندفاع الروسي بقوة في المنطقة دون الانتظار أو التنسيق مع واشنطن أو العواصم الأوروبية.

تمديد العقوبات الاقتصادية

108

حاولت الدول الأوروبية معاقبة روسيا، ومدّد الاتحاد الأوروبى، فترة العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا على خلفية الأزمة الأوكرانية لـ6 أشهر إضافية، تنتهي في 31 يوليو / تموز 2017، على خلفية زعزعتها استقرار أوكرانيا، وتشمل العقوبات حظر استيراد منتجات مصدرها القرم أو سيباستوبول إلى الاتحاد الأوروبي، والاستثمار في القرم أو سيباستوبول، بيع الأسلحة إلى روسيا.

شبه جزيرة القرم

ويعني هذا أنه لا يحق للأوروبيين والمؤسسات وشركات التمويل في القرم شراء العقارات أو الاستثمار في القرم أو سيباستوبول، وتشمل العقوبات أيضا، منع تقديم الخدمات السياحية في القرم وسيباستوبول، إضافة إلى منع تصدير بعض السلع والتكنولوجيات الموجهة إلى شركات في القرم أو للاستخدام هناك.

يشار إلى أن قرار تمديد العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا التي ضمت شبه جزيرة القرم في أوكرانيا عام 2014، يتم بشكل دوري منذ صيف 2014 .

ظهور الصراع

109

وفي مجلس الأمن الدولي، ظهر الصراع أكثر، وأعلن مندوب روسيا لدى الأمم المتحدة، فيتالي تشوركين، الأحد الماضي، أن بلاده لن تسمح بتمرير مشروع قرار أعدته فرنسا يهدف لضمان وجود مراقبين دوليين للإشراف على الإجلاء من المناطق المحاصرة في مدينة حلب السورية وحماية المدنيين الذين لا يزالون هناك.

وأضاف أن روسيا ستتقدم بمشروع قرار آخر حول حلب إلى مجلس الأمن الدولي، وفقا لما نقلته وكالة أنباء “سبوتنيك” الروسية الرسمية.

 كيفية التنفيذ؟

ورأى تشوركين، أن هناك طرقا أنسب لتحقيق الهدف نفسه، وهذا ما سنناقشه مع أعضاء مجلس الأمن الدولي، مؤكدا: “روسيا ليس لديها مشكلة على الإطلاق مع أي نوع من أنواع المراقبة. نحن فقط نختلف مع فرنسا حول كيفية تنفيذها”.

موسكو والفيتو

110

وبعد تلويح موسكو بالفيتو توافقت روسيا وفرنسا على مشروع قرار “توافقي”، صوت عليه مجلس الأمن الدولي، أمس الإثنين، بالإجماع يقضي بإرسال مراقبين دوليين للإشراف على عمليات الإجلاء من شرقي مدينة حلب، المحاصرة من قبل قوات النظام السوري والتنظيمات الأجنبية الإرهابية الموالية له.

القرار التوافقي الفرنسي الروسي

ويطالب قرار مجلس الأمن التوافقي الفرنسي الروسي، الأمم المتحدة والمؤسسات الأخرى، ذات الصلة، بـ”رصد الوضع – على نحو مناسب ومحايد – وأن تضطلع بالمراقبة المباشرة لعمليات الإجلاء من الأحياء الشرقية لحلب، والأحياء الأخرى بالمدينة وأن تبلغ عن ذلك حسب الاقتضاء”، وأشار القرار إلى أن عمليات الإجلاء يجب أن تتم وفقًا للقانون الدولي الإنساني ومبادئه، وأن تكون عمليات الإجلاء طوعية، مع توفير الحماية لجميع المدنيين الذين يختارون الإجلاء أو الذين يضطرون إلى الإجلاء، وأولئك الذين يختارون البقاء في منازلهم”.

حماية موظفي الرعاية الطبية

كما طالب القرار جميع الأطراف بالوصول الإنساني الكامل والفوري وغير المشروط، وعلى نحو آمن ومن دون عوائق، للأمم المتحدة وشركائها المنفذين من أجل ضمان وصول المساعدات الإنسانية خلال أقصر الطرق المباشرة، كما دعا قرار مجلس الأمن جميع الأطراف إلى حماية موظفي الرعاية الطبية والمساعدة الإنسانية ووسائل نقلهم ومعداتهم والمستشفيات وغيرها من المرافق الطبية.

وطلب القرار الدولي، من أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون، تقديم تقرير إلى مجلس الأمن عن تنفيذ هذا القرار في غضون 5 أيام اعتبارًا، أمس الإثنين، وكان المجلس فشل في التصويت على مشروع قرار فرنسي بهذا الصدد بعد تقديم روسيا مشروع قرار مضاد وتهديدها باستخدام الفيتو على مشروع القرار الفرنسي، ما اضطر الفرنسيون بالتعاون مع الروس، إلى إدخال تعديلات على مشروعهم، ليتم التصويت  على مشروع قرار توافقي.

كيف يتعامل دونالد ترامب؟

U.S. Republican presidential candidate Donald Trump gestures as he speaks at a rally in Las Vegas, Nevada October 8, 2015. REUTERS/David Becker

وعن كيفية تعامل “دونالد ترامب”، الرئيس الأمريكي الجديد، مع هذه المتغيرات وعودة الجمهوريين لاستلام زمام السياسة الخارجية للولايات المتحدة بعد غيابٍ دام 8 سنوات، يرى “مايكل سينغ”، الباحث في معهد واشنطن، أن السياسة الخارجية الجديدة للحزب الجمهوري تعتمد على تفضيلات الرئيس المنتخب بشكلٍ أساسي، إلّا أنّه من الواضح والضروري أنها ستأخذ في عين الاعتبار مخاوف الناخبين والوقائع في الخارج.

اختلاف المشهد الجيوسياسي

وأكد سينغ، “ما زالت القيادة العالمية للولايات المتحدة أمرًا لا غنى عنه للمصالح الأمريكية والعالم على حد سواء، ولكن يجب أن تكون مصممة خصيصًا للمشهد الجيوسياسي الذي يختلف عن ذلك، والذي كان سائدًا في المرة الأخيرة التي كان فيها الجمهوريون في السلطة، وقد كان خوف الناخبين من التغيرات المقلقة التي يشهدها العالم من العوامل التي دفعتهم إلى دعم ترامب في المعركة الرئاسية.

العصر الجديد أكثر خطورةً وفوضوية

ويرى الباحث بمعهد واشنطن، أن الجمهوريين يهتمّون بشكلٍ أساسي، إلى جانب الاقتصاد، بموضوعي الإرهاب والسياسة الخارجية، وهما مسألتان مرتبطتان بالعلاقة التي تجمع الولايات المتحدة بالعالم، ولم يخطئ الأمريكيون في قلقهم هذا، إذ إن المنافسة في العالم تزداد يومًا بعد يوم، ويضعف بذلك التأثير الأمريكي عليه، وعند مقارنة الوضع الحالي بـ”اللحظة الأحادية القطب”، التي تميّزت بالتوافقية في أعقاب الحرب الباردة بين التسعينيات والعقد الأول من القرن الحالي، من المرجح أن يكون العصر الجديد أكثر خطورةً وفوضوية وإثارة للجدلية.

اضطراب التحالفات

وبالنظر إلى سياسة أوباما، نجد تفاقم الأزمات في عهده واضطراب التحالفات، وغالبًا ما بدا أنّه غير مكترثٍ لأمرها، وأوضح سينغ، أنّ سياسات الرئيس أوباما سرّعت الاتجاهات السلبية في المكانة الدولية للولايات المتحدة، مؤكدًا أنه لا تأتي التغيرات العالمية الحالية نتيجة تراجع الولايات المتحدة، بل بروز الدول الأخرى، فالقوة الاقتصادية التي كانت تتركز في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية واليابان في السابق، أخذت تفقد مكانتها، وأصبح الناتج المحلي الإجمالي في الصين ينافس الخاص بالولايات المتحدة.

ونوّه بأنه، بحلول منتصف القرن الحالي، سيصبح الاقتصاد الهندي ثالث أضخم اقتصاد في العالم، ويرى مجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي، أنّ حصّة الولايات المتحدة من القوة العالمية المتمثلة بالثروة الاقتصادية والقوة العسكرية وما إلى ذلك ستتقلص من الربع في أوائل القرن إلى السدس بحلول منتصف القرن، أمّا حصص اليابان والحلفاء التقليديين للولايات المتحدة في أوروبا فمن المرجح أن تتضاءل أكثر من ذلك.

الأزمات وفرض الشروط

وعن محافظة الولايات المتحدة على موقعها البارز في العالم، أشار سينغ إلى أنّ ذلك سيتطلب منها مواجهة التحديات وبلورة سياسة خارجية قادرة على التغلب عليها بدلًا من الأمل في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وتبقى قوة الولايات المتحدة ونفوذها هائلين، ولكن لن تتمتع واشنطن مرةً أخرى بالمنافع النسبية التي كانت تملكها بعد الحرب العالمية الثانية أو بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ولا يمكنها أن تتوقع أن تحقق استراتيجية التموضع العام أكثر من مجرد تأخير فاتورة حساباتها بالتهديدات والأزمات وفرض شروطٍ لا ترضى بها.

ومقاومة القوى المتحدية

ونوّه الباحث في معهد واشنطن، بأنه من الضروري تحديد السياسة الخارجية الأمريكية المستقبلية، من خلال الاعتراف بأهمية الحفاظ على القوة الأمريكية وتوسيعها وتطبيقها بشكلٍ استراتيجي وفعّال في بيئةٍ جيوسياسية أكثر تقييدًا وتنافسية، وهذا يعني تخطي مناقشات العقود المنصرمة بين المحافظين الجدد والواقعيين، والتي تركزت بشأن نشر قوة أمريكية إضافية والكيفية التي يتم بها ذلك والأهداف التي يراد تحقيقها. فلم تعد هذه المسائل طارئة في الوقت الذي أصبحت فيه القوة صعبة المنال.وستحتاج واشنطن إلى الحلفاء والشركاء، ليس لمشاركة الأعباء فحسب، بل للمساهمة في تحقيق التوازن ومقاومة القوى المتحدية – وهم بدورهم بحاجة إلى الولايات المتحدة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s