103

حلب.. ثلاثية الشعور بالذنب والاستياء واللامبالاة

الجزيرة الإنجليزية – التقرير

يبدو أن الطريقة الوحيدة للانعزال عن مآسي حلب هي أن تتواجد في دمشق؛ ففي الوقت الذي يقوم فيه معظم السوريين في الخارج بالحديث والنشر عن حلب في وسائل التواصل الاجتماعي، يتحدث السوريون في دمشق عن البيتزا في أوقات الليل المتأخرة، ونشر صور لحفلات التخرج والأسفلت الرمادي المبلل بعد ليلة قصيرة ممطرة، والاحتفال بالخريف، وربما السبيل الوحيد لغلق أعينهم عما يحدث هو الاهتمام بأمورهم الحياتية.

وفي مساء يوم 14 ديسمبر، في الوقت الذي كان يذبح فيه الناس في حلب، عقدت فرقة سيمفونية حفلاً كلاسيكيًا بقيادة ميساك باغبودريان، بدار الأوبرا في دمشق.

وتقول الصحفية السورية ريهام الكوسا، “منذ أن غادرت في عام 2014، توقفت عن سؤال نفسي لماذا الناس التي تهتم بشأن دمشق لا تفعل شيئًا لوقف المآسي في سوريا”.

وأضافت، “أعلم مدى الخوف والإحباط وأسلوب المعيشة، فعندما كنت هناك كنت أقلق من انقطاع الكهرباء، وكم سيكون ثمن الدجاجة غدًا، والأهم من ذلك كله، كنت أفكر في كيفية الخروج من هناك”.

وتقول الصحفية، “كنتُ في البداية أشعر بالجبن، وأعطي لنفسي الأعذار بصفتي ابنة لأبوين سيفقدون عقلهم إن أصابني ضرر، لقد كنت ببساطة خائفة جدًا من اتخاذ أي رد فعل”.

وتضيف، “أعمل على تقديم ورقتي البحثية لهذا الفصل الدراسي، وفي أثناء قراءتي للتغريدات والمشاركات التي لا تنتهي حول حلب، كنت أخشى جدًا أحيانًا من التحدث مع الناس هناك”.

وتقول الكوسا، “لقد كان اتصالي الأخير معهم أمس عما حدثني هشام أسكيف، رئيس الدائرة السياسة لاتحاد ثوار حلب والذي شارك في مفاوضات التهدئة السابقة من أجل حلب، وأخبرني أن 800 شخص تم اصطحابهم من قبل النظام حينما كان يتم إجلاؤهم من شرق حلب.

وتقول أيضًا، “أنا المنافقة التي قالت لأولئك المحاصرين في حلب ويرون الموت في العيون، إنني معهم، ولكن لم أكن كذلك؛ أنا السورية التي تقضي نهارها تتساءل كيف يمكن أن تنتج مجزرة صورًا سريالية، كتلك التي كانت فيها امرأة على كرسي متحرك وزوجها الذي كان يحاول حمايتها بشكل جنوني”.

يذكر أن هذه الصور تحكي قصة رجل يبحث بيأس في شوارع حلب عن طبيب لينقذ زوجته، التي كانت تموت في غمرة الأحداث.

“أنا السورية التي قامت فقط بقراءة مقابلة مطولة مع صادق جلال العظم، والذي توفي في المنفى يوم 11 ديسمبر، والذي كان يتحدث عن حق الشعب في أن يثور وقام على الأقل بالإشارة إلى ما حدث على أنه ثورة”، هكذا تقول الصحفية السورية.

وتضيف: “أنا السورية التي ترى صور لصديق قديم تروي عن “غروب الشمس المتوتر” في مدينة حلب المنكوبة، وكنت أرى صورًا لشهر عسل أحد الأصدقاء جنبًا إلى جنب مع صور “النصر” على المدينة التي تعاني كربًا شديدًا، وذهبت صديقة لي مع الرجل التي تزوجته حديثًا، لتقديم تقرير لوسائل الإعلام الموالية للأسد عن عظمة جيش النظام المنتصر”.

وأردفت: “وكان من بين بعض الصور التي وقعت أمامي، صور لطابور طويل من الشبان الذين اضطروا للقتال مع النظام من أجل الوصول لأسرهم في شرق حلب، وصورة لأم ترتدي حجابًا أسود وتبكي بمرارة على مرأى من بيتها المدمر، ومحاولة صديقتي التقاط صور شاعرية أزعجتني”.

وفي آخر الأمر، “كان عليَّ أن أخبرها بأن هذا الانتصار مبني على معاناة الناس؛ ففي حين كانت العملية العسكرية تجري بشكل جيد، كان المرضى يموتون في الحال، وقالت لي إن هذه حرب، وفي الحروب هناك دائمًا غالب ومغلوب”.

وتقول الصحفية، إنه في الخلاصة الإخبارية الخاصة بحسابها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، رأت صديق موالي للنظام في حلب مع صورة لقلعة قديمة تضررت جزئيًا، وصورة للأسد يقوم بتكليل قمتها، وضمن نفس الأخبار، قام صديق مقيم في غازي عنتاب بنشر صورة لزخرفة على الجدران تركها سكان حلب قبل أن يتم إجبارهم على إخلاء المدينة، وعلق قائلاً، “الجدران هي دفتر ملاحظات الثوار”.

وتضيف، “قرأت تعليقات جميع السوريين ممن أعلنوا الحداد على المذبحة وأولئك الذين يحتفلون بها، وكلاهما يرى حلب على أنها المدينة “المقدسة”، حيث تستحق دائمًا أخذ صورة شخصية مع الأنقاض قبل المغادرة، إن حلب مدينة للسكن، لا يمكن وصفها”.

يذكر أن حلب مدينة كان الاستياء فيها يمتلك كل الأسباب ليزداد إلى أن يصبح وحشًا، وهل هذا النوع من الاستياء يسمح بتبرير المذبحة والاحتفال بها؟

إن ما يحدث في حلب حقًا تاريخيًا، وذلك وفقًا لما قاله الأسد في يوم آخر، والمشهد المذهل هو تمزيق أمة واحدة موحدة، لدرجة أن الشعب لم يعد بإمكانه الاتفاق على المبادئ الأساسية للإنسانية.

وتقول الصحفية، في ندوة سياسية سابقة في هذا الفصل الدراسي، لقد ناقشنا بناء الأمة؛ إن الأمم بدورها في حاجة إلى أسطورة أو قصة لكي تبقي الناس مع بعضهم البعض، وتمنحهم سببًا للعيش تحت سقف “أمة” واحدة، وفي حين كان أستاذنا يسأل زملائي حول قصص دولهم، كنت متوترة لأنني لم يكن لدي واحدة، ليس قبل ذلك، وليس بعد الآن.

وتختم الصحفية قائلة، “إن قصتنا التي أخشاها، هي أن نصبح يومًا ما مختلفين للغاية لدرجة أن نقوم بقتل بعضنا البعض، ونحتفل بذلك القتل بالشكولاتة وأشجار عيد الميلاد المزخرفة، وأن نصبح مختلفين جدًا يومًا ما لدرجة أن نهتم فقط ببقائنا على قيد الحياة ولا يهم موت الآخرين.

المصدر

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s