100

“حتى لا يكونوا مثل القرود”.. الرئيس السوادني يدعو لجلد التلاميذ

هند بشندي – التقرير

ألغت أغلب الدول عقوبة ضرب التلاميذ في المدارس، بل أن بعض الدول ترفض توجيه أي إهانة للتلاميذ، لكن في السودان لايزال الجدل دائرًا حول عقوبة “جلد” التلاميذ.

60 جلدة تعرض لها الرئيس السوداني عمر البشير عندما كان تلميذًا في المدرسة، وهذا ما جعله أكثر حرصًا على عدم إلغاء عقوبة الجَلد من المدارس السودانية.

اجلدوهم

وجه الرئيس السوداني انتقادات عنيفة لقرار وزارة التعليم، القاضي بوقف جَلد التلاميذ في المدارس، وقال خلال احتفال بافتتاح إحدى المجمعات الطبية الخاصة بالمعلمين في الخرطوم، إن رفع عقوبة الجلد عن التلاميذ ستؤدي إلى عدم طاعتهم للأوامر من قبل معلميهم.

وكشف أنه شخصيًا تعرض للجلد 60 جلدة خلال المدرسة الأولية في المنطقة التي نشأ بها، ولم يحقد على معلمه ولم يؤثر ذلك فيه، وشدد على ضرورة أن تضم العملية التربوية الجزاء والعقاب، معتبرًا أن الدعوات بإلغاء عقوبة الجلد هي تقليد للغرب، قائلاً: “لا يمكن أن نكون مثل القرود نقلد في الغرب”.

وأوضح أن إلغاء عقوبة الجلد ينمي في التلاميذ حرية مفرطة تؤدي للتطاول على المعلمين، مؤكدًا أن التعليم تربية قبل أن يكون قراءة وكتابة، وطالب بمنح ثقة للمعلم، وقال: “نثق في المعلمين لأننا نسلمهم أبناءنا، فهم لن يؤذوهم، ولكن حيدقوهم (في إشارة للجلد) ويأدوبهم”.

وكانت وزارة التربية والتعليم السودانية قد أصدرت قرارًا في العام 2010، يقضي بإيقاف عقوبة الجلد في المدارس واللجوء إلى بديل مناسب لمعاقبة التلاميذ، ووجهت توجيهات صارمة لكل المعلمين بالتقيد بالقرار بعد تعرض كثرة الشكاوى من التلاميذ وأولياء الأمور على حد سواء، بتعرض أبنائهم لمشكلات جسدية ونفسية من شدة الجلد.

ونص القرار على الآتي: “إلغاء عقوبة الجلد على الطلاب في مرحلة الأساس، مع الإبقاء على العقوبات التربوية الأخرى، وأن تكون العقوبة في المرحلة الثانوية بواسطة مدير المدرسة وبحد أقصى ثلاث جلدات”، وتوقعت مصادر في وزارة التعليم أن تتراجع الوزارة عن قرارها بعد انتقادات الرئيس لها، باعتباره غير راضٍ عنها، لكن الوزارة لم تصدر توضيحًا بعد.

لا تجلدوهم

يقول ألبرت أينشتاين: “قيمة التعليم الجامعي لا تكمن في تعلّم الكثير من الحقائق، بل في تدريب العقل على التفكير”، هي ربما مجموعة بسيطة من الكلمات يقدمها العالم الذي تخطت نظرياته عالم الفيزياء، وصبّ كثير منها في مجالات أخرى، ولا سيما الاجتماعي، مع ذلك، فإنّ تلك الكلمات تشكّل بوابة لكشف الفوارق بين منهجين تعليميين، منهج التلقين والحفظ، ومنهج التحليل والتفكير، هكذا يقول عصام سحمراني في مقال له.

وتحدث عن العقاب الذي تتعدد أشكاله بحسب كل بلد، “فبينما ألغت بعض الأنظمة التعليمية الضرب والإهانة المعنوية، ما زالت أنظمة أخرى تعتمدهما، بل أن بعضها قد يتراجع عن إلغاء جلد التلاميذ حتى، تبعًا لتصريح رئيس الدولة نفسه أنّه تعرض للجلد حين كان تلميذًا”.

ويوضح أن هناك خوف من “الحرية المفرطة” الذي يستوجب اعتماد التلقين وحده، حتى في الجامعات، قائلاً: “التفكير خطير عربيًا، ومن يفكر عليه أن يتحمل عواقب ذلك، وهي عواقب لا تقتصر على الجلد”.

وقال الكاتب السوداني حسن أحمد الحسن: “في نفس الوقت الذي كان العالم يستشرف فيه ذكرى اليوم العالمي لحقوق الإنسان، وتكرم فيه منظمة يونسيف فنانة سودانية شابة ومثقفة بتعيينها سفيرة للأطفال في السودان؛ تكريمًا لدورها واهتمامها بقضايا الأطفال، كان الرئيس السوداني يطالب أمام اتحاد المعلمين بضرورة مراجعة قرار إيقاف عقوبة جلد التلاميذ والطلاب في المدارس، وإعادة تطبيق العقوبة وكأن له ثأرًا معهم”.

وأضاف في مقال له: “وما كان يجدر بالرئيس أن يتبنى ذلك لكون هذه العقوبة بكل ملحقاتها من انتهاكات، سبق أن حفلت بها الصحف بما احتوته من لكم وركل وإساءة من بعض المعلمين المهوسين في بعض المدارس في حق التلاميذ، سبق أن أثارت الرأي العام السوداني”.

ويقول الكاتب السوداني نور الدين مدني، “هناك وسائل تربوية حديثة تجاوزت نهج العقاب البدني لتحل محله عقوبات تنبيهية للخطأ بحرمانه من أنشطة أو أشياء يحبها لفترة محددة، مع توضيح أسباب هذه العقوبة”.

وتساءل الكاتب جمال علي حسن، من قال لكم إن أجيالنا التي تربت بالجلد هي أجيال متعافية نفسيًا؟، مضيفًا: “هل تواجهون حقائق قاسية مثل تلذذ بعض ضعاف النفوس من المدرسين بجلد الأطفال في أجزاء محددة من أجسادهم وصراخهم وبكائهم.. مع إجلالي الكامل للمعلم. لكن هذه حقائق يجب الإشارة لها ولغيرها من سلوكيات الانتقام والأذى الجسيم، فكل تلك الظواهر كانت موجودة لأننا نتحدث عن بشر فيهم الخير وفيهم غير ذلك”.

وقال إن “عقوبة الجلد في علم النفس معرفة على أنّها أضعف وسيلة للتربية على الإطلاق، برغم أن نتائجها تكون سريعة لكنها نتائج مؤقّتة، فقد ينصاع الطفل إلى الأوامر عند ضربه في الحال، ولكن على المدى البعيد فإنّ الضرب يحدث العديد من المشاكل للطفل؛ خاصّة عند وصوله مرحلة المراهقة فسيصبح هذا الطفل المعرّض للضرب إمّا شخصًا متوترًا وعدوانيًّا أو إنسانًا ضعيف الشخصية والثقة بنفسه، ومهزوزًا ويخاف ممّن حوله”.

ورفض الكاتب السوداني دكتور الشفيع خضر سعيد، مقترح البشير بعودة الجلد للمدارس، مشيرًا إلى أن علماء التربية والنفس أكدوا أن الضرب هو أضعف وسائل التغيير والتهذيب، وأي نتيجة مرضية ترتب عليه فهي نتيجة سريعة ومؤقتة بالضرورة، أما الأضرار فهي كثيرة ومتنوعة.

وعن الأضرار، قال في مقال له: “منها أننا ننشئ جيلاً جبانًا يعيش بالخوف والزجر والترهيب، ولا يجرؤ على إعلان رأيه، ويعيش هذا الجيل في أزمة مع رموز السلطة قهر والاستبداد فيعاديها في داخله ويداهنها وينافقها في ظاهره، وينتظر اللحظة المناسبة للتمرد عليها، والانتقام منها بأشكال مباشرة أو غير مباشرة”.

وأضاف أن “ضرب التلاميذ في المدارس يحدث ارتباطًا شرطيًا سالبًا بين العلم والإيذاء البدني، فيكره الطالب العلم وما يتصل به، ويفقد قدرته على الإبداع، لأن الإبداع لا ينشط إلا في جو من الحرية والإحساس الإيجابي بالذات والكرامة وبالموضوع العلمي وبالبيئة المحيطة، والأجيال السابقة والتي عاشت تجربة الضرب في المدارس، خضعت بدرجة أكبر للنظم الاستبدادية سنوات طويلة، واستكملت معها مشوارًا طويلاً من الضرب في أقسام الشرطة وفي أقبية أجهزة الأمن والمخابرات والمعتقلات”.

جدل برلماني

في سبتمبر الماضي، دعا أحد نواب البرلمان في السودان إلى ضرورة معاقبة تلاميذ المدارس بالضرب، ودعا النائب الحاج نور الدائم بمراجعة وزارة التعليم قرارها حول جلد التلاميذ، معلنًا تأييده لـ(ضرورة ضربهم) على أن توضع ضوابط ولوائح لذلك، وألا يكون الضرب عشوائيًا.

ووافق البعض على مطلبه، ودعوا إلى ضرب التلاميذ لكن ضمن ضوابط ولوائح محددة، وشملت جلسة البرلمان طلبات من نواب آخرين أيضًا، بضرورة إنشاء شرطة خاصة بمدارس الولاية لمتابعة ما أسموها الأفعال السالبة، مطالبين وزارة التربية والتعليم بمراجعة قرارها حول منع جلد التلاميذ.

فيما ثار أولياء الأمور وقتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، رافضين اقتراح نواب البرلمان.

قوانين وتشريعات

نصت الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل – والسودان من ضمن الدول الموقعة – في المادة (28)، بأن تتخذ الدول الأطراف كافة التدابير المناسبة لضمان إدارة نظام في المدارس، على نحو يتماشى مع كرامة الطفل الإنسانية.

كما ورد في الميثاق الأفريقي لحقوق الطفل ورفاهيته المادة (11): “يكون تعليم الأطفال موجهًا إلى تشجيع وتنمية شخصية الطفل ومواهبه وقدراته البدنية والعقلية، على أن تتخذ الدول الأطراف كافة الإجراءات المناسبة لضمان معاملة الطفل الذي يخضع للتأديب المدرسي، أو من الوالدين بشكل إنساني وباحترام للكرامة اللازمة للطفل وبما يتفق مع هذا الميثاق”.

ونصت المادة (29) من قانون الطفل 2010، على عدم توقيع الجزاءات التالية بالمدارس مثل: العقوبات القاسية، والتوبيخ بالألفاظ المهينة للكرامة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s