الربيع العربي.. لم يكن “ربيع براغ” ولا للعرب فقط

ميديل إيست آي – التقرير

17 ديسمبر.. يوم أضرم فيه محمد البوعزيزي النار في نفسه أمام مكتب الحاكم في سيدي بوزيد قبل 6 أعوام.

وأدى هذا التصرف المخيف إلى اندلاع الثورة التونسية وسلسلة من الانتفاضات في جميع أنحاء المنطقة، على نحو مشترك، ويرى البعض أن تسميتها بالربيع العربي جاءت بشكل خطأ.

وهناك أراء تقول إن هذا المصطلح مضلل، أولا لفشله في تعريف الاختلافات السياسية والثقافية العديد في العالم العربي، ويدل على أن الاضطرابات التي اندلعت في بلدان متنوعة مثل تونس والبحرين تندرج تحت نفس المظلة.

ثانيا اشتق المصطلح من ربيع براغ لعام 1968، والذي يشير إلى المحاولة التي قام بها الحزب الشيوعي التشيكي لإدخال المزيد من الحريات المدنية واتباع نهج أكثر استقلال من موسكو، وهي الجهود التي سحقت بوحشية من قبل الجيش السوفيتي في وقت لاحق من ذلك العام.

ما يفتقده “الربيع”

كان الغرب دائما داعما لربيع براغ لكونه اللحظة المحورية التي أظهرت أن مواطني الاتحاد السوفيتي السابق أرادوا الحرية والديمقراطية التي يتمتع بها الغرب. والآن قد يكون هذا صحيح بشكل كبير، ومع ذلك، كانت ملابسات ومضمون ربيع براغ مختلفة تماما عما يسمى بالربيع العربي الذي بدأ في العام 2010.

وفي العام 1968، كانت الحرب الباردة في أوجها.. واحتل المنتخب التشيكي بشكل فعال من قبل روسيا، وشكلت حينها جزءا لا يتجزأ من الكتلة الشرقية. ولم تمكنهم موسكو من الانفصال، وذلك بنفس قدر عدم استطاعة واشنطن السماح لإيطاليا بشق طريقها بنفسها، ولم يكن هناك أي جيش أجنبي يحتل تونس في العام 2010، ولا أي بلد عربي.

والأهم من ذلك، صيغت الانتفاضات العربية التي سميت بعد ربيع براغ بصرامة في إطار الخطاب السياسي، حيث السعي النبيل من أجل الحرية والديمقراطية، وهناك آراء تقول إنها لم تكن تتعلق فقط بالتمثيل الأكثر عدلا للسلطة، ولكنها تعلقت أيضا بالتوزيع الأكثر عدلا للثروة.

ويشير هذا السياق إلى أن بوعزيزي، الملهم لكل ذلك، لم يضرم النار في نفسه مع الدعوة للديمقراطية أو طلب من الرئيس التونسي حينها، زين العابدين بن علي بالتنحي، لا على الإطلاق.

كان بوعزيزي يعمل بائع خضروات متجول لمساعدة عائلته في تغطية نفقاتهم. وفي صباح 17 ديسمبر، صادرت شرطية جزءا من بضاعته لأنه لم يكن يمتلك ترخيص. وحاول البائع الغاضب والبالغ من العمر 26 عاما رؤية الحاكم لاسترجاع بضاعته. ولكن دون جدوى.

وقال صارخا قبل إغراق نفسه بالنزين، “كيف تتوقعون مني كسب العيش؟”. وبسبب عدم وجود مستقبل للعيش جعل من نفسه شرارة للاحتجاج على الظلم الواضح، وتوفي في المستشفى بعد ذلك بأيام قليلة.

وبعد تضحيته بنفسه، كانت عقود القمع السياسي ووحشية الشرطة وارتفاع مستويات البطالة والفساد الصارخ من قبل زوجة بن علي وعائلته، سببًا في اندلاع احتجاجات واسعة ودعوات للتغيير.

الاحتجاجات والمظالم المنسية

جاءت الثورة التونسية بمثابة صدمة للغرب، وعلى الرغم من أن تونس كانت دولة بوليسية، أشار السياسيون والصحفيون الغربيون إليها كدولة معتدلة، كنموذج للعالم الإسلامي. ووقّع الاتحاد الأوروبي في العام 1995 اتفاقية شراكة مع تونس، والتي سمحت بتحرير التجارة بشكل واسع.

وفي أوائل العام 2011، عرض وزير الخارجية الفرنسي، ميشيل اليو ماري، على بن علي المساعدة في استعادة النظام. ولكن بعد فوات الأوان.

وفي يناير من العام 2011، فر “بن علي” وزوجته إلى بر الأمان والحصانة، في المملكة العربية السعودية. فقد هبط بصعوبة في جدة عندما اندلعت الثورة في مصر.

ويعلم الجميع، اليوم، الصور البطولية للمصريين، صغارا وكبارا، واحتلال ميدان التحرير ومقاومة الشرطة وحتى موقعة الجمل، بينما دعوا الرئيس المخلوع حسني مبارك للتنحي، وإنهاء دولة الـ30 عاما من الطوارئ، ناهيك عن الأطباء وسائقي الحافلات والعاملين في الغزل والنسيج والآلاف والآلاف من العمال الآخرين الذين أَضربوا عن العمل وشلوا حركة البلد.

وفي الحقيقة، يضرب عمال مصر بشكل منتظم منذ العام 2000 على الأقل، بالرغم من أن تجمع أكثر من 5 أشخاص كان محظورا بشكل صارم في مصر.

وقدّم جويل بينين، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط في جامعة ستانفورد، بتقديم تقديرات تشير إلى أنه في العقد السابق لثورة 25 يناير، شارك أكثر من ملياري شخص في أكثر من 3000 إضراب واعتصام وغيرها من أشكال الاحتجاج.

ليس فقط براغ.. وليس فقط عربيا

يقول البعض، إن مصر في عهد مبارك كانت حقا الطفل المدلل في تحرير التجارة والخصخصة في العالم العربي.

وبدأ تفكيك الاقتصاد الذي كانت تقوده دولة عبدالناصر في عهد أنور السادات، واكتمل إلى حد كبير في عهد مبارك بمساعدة من واشنطن وبروكسل.

وبين عامي 1991 و 2009، باع مبارك ما يقرب من 400 شركة تابعة للدولة بمبلغ يزيد قليلا على 9 مليار دولار، وانتهى الكثير منها في نهاية المطاف في جيوب النخبة الثرية، وغالبا النخبة الفاسدة في البلاد، بما في ذلك الجيش، والذي بحلول يناير من العام 2011 سيطر على نحو 25% من نسبة الاقتصاد المصري.

وفي الوقت نفسه، وفقا للأمم المتحدة، كان هناك نحو ربع عدد السكان يعيشون تحت خط الفقر بنحو دولارين يوميا، في حين أن 17% من السكان يواجهون انعدام الأمن الغذائي بشكل يومي.

وعاما بعد عام، انهال صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بالثناء على مبارك ورفاقه وسياساتهم الليبرالية الجديدة.

لقد كان رأس الهرم يزداد ضيقا وثراء، والحياة تدهورت بالنسبة لمعظم المصريين، ولم تكن الهتافات خلال الإضرابات والمظاهرات فقط ضد مبارك ولكن ضد “الصندوق” و”البنك” أيضا.

يشار إلى أن الانتفاضات في البحرين وليبيا واليمن وسوريا لكل منهم سمات خاصة وبطرق عديد كان لديهم القليل القواسم المشتركة مع نظائرهم في تونس ومصر، الذين يعدون مصادر ما يسمى بالربيع العربي؛ ولأن تلك الانتفاضات كانت موجهة أيضا ضد الوضع المالي الراهن، فمن هذا المنطلق، كانت هناك قواسم مشتركة مع أماكن أخرى، على سبيل المثال، احتلوا وول استريت في نيويورك والحركات المناهضة للتقشف في إسبانيا أو اليونان.

كانت الحقيقة المزعجة جدا بالنسبة للغرب هي أن الربيع العربي لم يكن مجرد ربيع براغ، والأسوأ من ذلك، أنه لم يكن فقط عربيا.

المصدر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s